Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:41
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
طاعَتَكَ، ولَمّا أعْطَيْتَنِي المالَ كُنْتُ لِلْأرامِلِ قَيِّمًا، ولِابْنِ السَّبِيلِ مُعِينًا، ولِلْيَتامى أبًا ! فَنُودِيَ مِن غَمامَةٍ يا أيُّوبُ مِمَّنْ كانَ ذَلِكَ التَّوْفِيقُ ؟ فَأخَذَ أيُّوبُ التُّرابَ ووَضْعَهُ عَلى رَأْسِهِ، وقالَ مِنكَ يا رَبِّ ثُمَّ خافَ مِنَ الخاطِرِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ وقَدْ ذَكَرُوا أقْوالًا أُخْرى، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وسَمِعْتُ بَعْضَ اليَهُودِ يَقُولُ: إنَّ لِمُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِتابًا مُفْرَدًا في واقِعَةِ أيُّوبَ، وحاصِلُ ذَلِكَ الكِتابِ أنَّ أيُّوبَ كانَ رَجُلًا كَثِيرَ الطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى مُواظِبًا عَلى العِبادَةِ، مُبالِغًا في التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ وقَعَ في البَلاءِ الشَّدِيدِ والعَناءِ العَظِيمِ، فَهَلْ كانَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ ما أتى بِجُرْمٍ في الزَّمانِ السّابِقِ حَتّى يَجْعَلَ ذَلِكَ العَذابَ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ الجُرْمِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الثَّوابِ فالإلَهُ الحَكِيمُ الرَّحِيمُ قادِرٌ عَلى إيصالِ كُلِّ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ تِلْكَ الآلامِ الطَّوِيلَةِ والأسْقامِ الكَرِيهَةِ. وحِينَئِذٍ لا يَبْقى في تِلْكَ الأمْراضِ والآفاتِ فائِدَةٌ، وهَذِهِ كَلِماتٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وهي دالَّةٌ عَلى أنَّ أفْعالَ ذِي الجَلالِ مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّعْلِيلِ بِالمَصالِحِ والمَفاسِدِ، والحَقُّ الصَّرِيحُ أنَّهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣] .