Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:35-40
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَعَلى هَذا الصَّفَدِ القَيْدُ فَكُلُّ مَن شَدَدْتَهُ شَدًّا وثِيقًا فَقَدْ صَفَّدْتَهُ، وكُلُّ مَن أعْطَيْتَهُ عَطاءً جَزِيلًا فَقَدْ أصْفَدْتَهُ، وهَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشَّياطِينَ لَها قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ، وبِسَبَبِ تِلْكَ القُوَّةِ قَدَرُوا عَلى بِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها البَشَرُ، وقَدَرُوا عَلى الغَوْصِ في البِحارِ، واحْتاجَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَيْدِهِمْ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنْ هَذِهِ الشَّياطِينَ إمّا أنْ تَكُونَ أجْسادُهم كَثِيفَةً أوْ لَطِيفَةً، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ أنْ يَراهم مَن كانَ صَحِيحَ الحاسَّةِ، إذْ لَوْ جازَ أنْ لا نَراهم مَعَ كَثافَةِ أجْسادِهِمْ، فَلْيَجُزْ أنْ تَكُونَ بِحَضْرَتِنا جِبالٌ عالِيَةٌ وأصْواتٌ هائِلَةٌ ولا نَراها ولا نَسْمَعُها، وذَلِكَ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ، وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّ أجْسادَهم لَيْسَتْ كَثِيفَةً، بَلْ لَطِيفَةً رَقِيقَةً، فَمِثْلُ هَذا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالقُوَّةِ الشَّدِيدَةِ، وأيْضًا لَزِمَ أنْ تَتَفَرَّقَ أجْسادُهم وأنْ تَتَمَزَّقَ بِسَبَبِ الرِّياحِ القَوِيَّةِ وأنْ يَمُوتُوا في الحالِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن وصْفِهِمْ بِبِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ، وأيْضًا الجِنُّ والشَّياطِينُ إنْ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَلِمَ لا يَقْتُلُونَ العُلَماءَ والزُّهّادَ في زَمانِنا ؟ ولِمَ لا يُخَرِّبُونَ دِيارَ النّاسِ ؟ مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ مُبالِغُونَ في إظْهارِ لَعْنِهِمْ وعَداوَتِهِمْ. وحَيْثُ لَمْ يُحَسَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الجِنِّ والشَّياطِينِ ضَعِيفٌ.