Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:26-29
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ هَذِهِ الحالَةَ حاصِلَةٌ حِينَ كانُوا مَعْدُومِينَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ خَلَقَهم لِلْإنْفاعِ، فَنَقُولُ وذَلِكَ الإنْفاعُ، إمّا أنْ يَكُونَ في حَياةِ الدُّنْيا أوْ في حَياةِ الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ ومَضارَّها كَثِيرَةٌ، وتَحَمُّلُ المَضارِّ الكَثِيرَةِ لِلْمَنفَعَةِ القَلِيلَةِ لا يَلِيقُ بِالحِكْمَةِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا القِسْمُ ثَبَتَ القَوْلُ بِوُجُودِ حَياةٍ أُخْرى بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ هو القَوْلُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ لَخَّصْناها في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ بِالِاسْتِقْصاءِ، فَلا سَبِيلَ إلى التَّكْرِيرِ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا، وإذا لَمْ يَكُنْ خَلْقُهُما باطِلًا كانَ القَوْلُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ لازِمًا، وأنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ كانَ شاكًّا في حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ يُوجِبُ الشَّكَّ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنّا نَرى في الدُّنْيا مَن أطاعَ اللَّهَ واحْتَرَزَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ في الفَقْرِ والزَّمانَةِ وأنْواعِ البَلاءِ، ونَرى الكَفَرَةَ والفُسّاقَ في الرّاحَةِ والغِبْطَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَشْرٌ ونَشْرٌ ومَعادٌ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حالُ المُطِيعِ أدْوَنَ مِن حالِ العاصِي، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وإذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في الحِكْمَةِ، ثَبَتَ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ يُوجِبُ إنْكارَ حِكْمَةِ اللَّهِ.