Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:26-29
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مَدَنِيًّا بِالطَّبْعِ، لِأنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يَنْتَظِمُ مَصالِحُهُ إلّا عِنْدَ وُجُودِ مَدِينَةٍ تامَّةٍ حَتّى أنَّ هَذا يَحْرُثُ، وذَلِكَ يَطْحَنُ، وذَلِكَ يَخْبِزُ، وذَلِكَ يَنْسِجُ، وهَذا يَخِيطُ، وبِالجُمْلَةِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَشْغُولًا بِمُهِمٍّ، ويَنْتَظِمُ مِن أعْمالِ الجَمِيعِ مَصالِحُ الجَمِيعِ. فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، وعِنْدَ اجْتِماعِهِمْ في المَوْضِعِ الواحِدِ يَحْصُلُ بَيْنَهم مُنازَعاتٌ ومُخاصَماتٌ، ولا بُدَّ مِن إنْسانٍ قادِرٍ قاهِرٍ يَقْطَعُ تِلْكَ الخُصُوماتِ وذَلِكَ هو السُّلْطانُ الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلى الكُلِّ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَنْتَظِمُ مَصالِحُ الخَلْقِ إلّا بِسُلْطانٍ قاهِرٍ سائِسٍ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ السُّلْطانَ القاهِرَ السّائِسَ إنْ كانَ حُكْمُهُ عَلى وفْقِ هَواهُ ولِطَلَبِ مَصالِحِ دُنْياهُ عَظُمَ ضَرَرُهُ عَلى الخَلْقِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ الرَّعِيَّةَ فِداءً لِنَفْسِهِ ويَتَوَسَّلُ بِهِمْ إلى تَحْصِيلِ مَقاصِدِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَخْرِيبِ العالَمِ ووُقُوعِ الهَرْجِ والمَرْجِ في الخَلْقِ، وذَلِكَ يُفْضِي بِالآخِرَةِ إلى هَلاكِ ذَلِكَ المَلِكِ، أمّا إذا كانَتْ أحْكامُ ذَلِكَ المَلِكِ مُطابِقَةً لِلشَّرِيعَةِ الحَقَّةِ الإلَهِيَّةِ انْتَظَمَتْ مَصالِحُ العالَمِ، واتَّسَعَتْ أبْوابُ الخَيْراتِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ يَعْنِي
صفحة ١٧٥