Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:24-25
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ قالَ اللَّيْثُ: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخالِطُهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: الخُلَطاءُ الشُّرَكاءُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ داوُدُ الخُلَطاءَ بِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مَعَ أنَّ غَيْرَ الخُلَطاءِ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ؟ والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ المُخالَطَةَ تُوجِبُ كَثْرَةَ المُنازَعَةِ والمُخاصَمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُما إذا اخْتَلَطا اطَّلَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى أحْوالِ الآخَرِ، فَكُلُّ ما يَمْلِكُهُ مِنَ الأشْياءِ النَّفِيسَةِ إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ عَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى زِيادَةِ المُخاصَمَةِ والمُنازَعَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ الخُلَطاءَ بِزِيادَةِ البَغْيِ والعُدْوانِ، ثُمَّ اسْتَثْنى عَنْ هَذا الحُكْمِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ لِأنَّ مُخالَطَةَ هَؤُلاءِ لا تَكُونُ إلّا لِأجْلِ الدِّينِ وطَلَبِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، فَلا جَرَمَ مُخالَطَتُهم لا تُوجِبُ المُنازَعَةَ، وأمّا الَّذِينَ تَكُونُ مُخالَطَتُهم لِأجْلِ حُبِّ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنَّ تَصِيرَ مُخالَتَطُهم سَبَبًا لِمَزِيدِ البَغْيِ والعُدْوانِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَلَوْ كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَغى وتَعَدّى عَلى ذَلِكَ الرَّجُلِ لَزِمَ بِحُكْمِ فَتْوى داوُدَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ المُرادُ مِن واقِعَةِ النَّعْجَةِ قِصَّةُ داوُدَ قَوْلُهُ باطِلٌ.