Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:24-25
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
السّادِسَةُ: حَضَرْتُ في بَعْضِ المَجالِسِ وحَضَرَ فِيهِ بَعْضُ أكابِرِ المُلُوكِ وكانَ يُرِيدُ أنْ يَتَعَصَّبَ لِتَقْرِيرِ ذَلِكَ القَوْلِ الفاسِدِ والقِصَّةِ الخَبِيثَةِ لِسَبَبٍ اقْتَضى ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: لا شَكَّ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، ولَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ومَن مَدَحَهُ اللَّهُ تَعالى بِمِثْلِ هَذا المَدْحِ العَظِيمِ لَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نُبالِغَ الطَّعْنَ فِيهِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنَّهُ ما كانَ نَبِيًّا فَلا شَكَّ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ولَقَدْ قالَ ﷺ: «لا تَذْكُرُوا مَوْتاكم إلّا بِخَيْرٍ» ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ أنّا لا نَلْتَفِتُ إلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ، إلّا أنّا نَقُولُ إنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ القِصَّةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها حَقِيقِيَّةً صَحِيحَةً فَإنَّ رِوايَتَها وذِكْرَها لا يُوجِبُ شَيْئًا مِنَ الثَّوابِ، لِأنَّ إشاعَةَ الفاحِشَةِ إنْ لَمْ تُوجِبِ العِقابَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا تُوجِبَ الثَّوابَ، وأمّا بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ الباطِلَةُ فاسِدَةً، فَإنَّ ذاكِرَها يَسْتَحِقُّ أعْظَمَ العِقابِ، والواقِعَةُ الَّتِي هَذا شَأْنُها وصِفَتُها، فَإنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يُوجِبُ السُّكُوتَ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ، وأنَّ شَرْحَ تِلْكَ القِصَّةِ مُحَرَّمٌ مَحْظُورٌ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ المَلِكُ هَذا الكَلامَ سَكَتَ ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا.