Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 37:111-114
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الكَبْشِ فَقِيلَ: إنَّهُ الكَبْشُ الَّذِي تَقَرَّبَ بِهِ هابِيلُ بْنُ آدَمَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقَبِلَهُ، وكانَ في الجَنَّةِ يَرْعى حَتّى فَدى اللَّهُ تَعالى بِهِ إسْماعِيلَ، وقالَ آخَرُونَ: أرْسَلَ اللَّهُ كَبْشًا مِنَ الجَنَّةِ قَدْ رَعى أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ السُّدِّيُّ: نُودِيَ إبْراهِيمُ فالتَفَتَ فَإذا هو بِكَبْشٍ أمْلَحَ انْحَطَّ مِنَ الجَبَلِ، فَقامَ عَنْهُ إبْراهِيمُ فَأخَذَهُ فَذَبَحَهُ، وخَلّى عَنِ ابْنِهِ، ثُمَّ اعْتَنَقَ ابْنَهُ وقالَ: يا بُنَيَّ اليَوْمَ وُهِبْتَ لِي، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَظِيمٍ﴾ فَقِيلَ سُمِّيَ عَظِيمًا لِعِظَمِهِ وسِمَنِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَقَّ لَهُ أنْ يَكُونَ عَظِيمًا وقَدْ رَعى في الجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقِيلَ سُمِّيَ عَظِيمًا لِعِظَمِ قَدْرِهِ حَيْثُ قَبِلَهُ اللَّهُ تَعالى فِداءً عَنْ ولَدِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ بَشَّرْناهُ بِوُجُودِ إسْحاقَ مُقَدَّرَةٌ نُبُوَّتُهُ، ولِمَن يَقُولُ إنَّ الذَّبِيحَ هو إسْماعِيلُ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ حالَ كَوْنِ إسْحاقَ نَبِيًّا؛ لِأنَّ البِشارَةَ بِهِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى صَيْرُورَتِهِ نَبِيًّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَعْنى وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ حالَ ما قَدَّرْناهُ نَبِيًّا، وحالَ ما حَكَمْنا عَلَيْهِ فَصَبَرَ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِشارَةً بِوُجُودِ إسْحاقَ حاصِلَةً بَعْدَ قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ غَيْرَ إسْحاقَ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ هَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ عَنْ قِصَّةِ الذَّبِيحِ، إلّا أنَّها كانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْها في الوُقُوعِ والوُجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: الأصْلُ رِعايَةُ التَّرْتِيبِ وعَدَمُ التَّغْيِيرِ في النَّظْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.