Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 37:102-110
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: إنَّهُ يَلْزَمُ إمّا الأمْرُ بِالقَبِيحِ وإمّا الجَهْلُ، فَنَقُولُ: هَذا بِناءٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ حَسَنًا في ذاتِهِ ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ قَبِيحًا في ذاتِهِ، وذَلِكَ بِناءٌ عَلى تَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ وهو باطِلٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ تارَةً يَحْسُنُ لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ حَسَنًا وتارَةً لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ يُفِيدُ صِحَّةَ مَصْلَحَةٍ مِنَ المَصالِحِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَأْمُورُ بِهِ حَسَنًا ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُرَوِّضَ عَبْدَهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إذا جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ فافْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الشّاقَّةِ، ويَكُونُ مَقْصُودُ السَّيِّدِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ لَيْسَ أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ العَبْدُ بِذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يُوَطِّنَ العَبْدُ نَفْسَهُ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ يُزِيلُ الألَمَ عَنْهُ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ، فَكَذا هَهُنا، فَما لَمْ تُقِيمُوا الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ يَتِمَّ كَلامُكم.