Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 37:62-75
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.