Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 37:62-75
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى.