Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 37:31-47
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الخامِسُ: قَوْلُهم: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، كَأنَّهم قالُوا: إنِ اعْتَقَدْتُمْ أنَّ غَوايَتَكم بِسَبَبِ إغْوائِنا فَغَوايَتُنا إنْ كانَتْ بِسَبَبِ إغْواءِ غاوٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الغَوايَةِ والرَّشادِ لَيْسَ مِن قِبَلِنا، بَلْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا، وذَلِكَ الغَيْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ فِيما قَبْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ وكَلامَ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يَعْنِي فالمَتْبُوعُ والتّابِعُ والمَخْدُومُ والخادِمُ مُشْتَرِكُونَ في الوُقُوعِ في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وعَنى بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ المُجْرِمِ المُطْلَقَ مُخْتَصٌّ في القُرْآنِ بِالكافِرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وبِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّكْذِيبُ بِالتَّوْحِيدِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي يُنْكِرُونَ ويَتَعَصَّبُونَ لِإثْباتِ الشِّرْكِ ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ.