Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 37:12-16
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إضافَةَ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ؟ ويُرْوى أنَّ شُرَيْحًا كانَ يَخْتارُ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ ويَقُولُ: العَجَبُ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن لا يَعْلَمُ، قالَ الأعْمَشُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ فَقالَ: إنَّ شُرَيْحًا يَعْجَبُ بِعِلْمِهِ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ، وكانَ يَقْرَأُ بِالضَّمِّ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنْ نَقُولَ: دَلَّ القُرْآنُ والخَبَرُ عَلى جَوازِ إضافَةِ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] والمَعْنى: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن قَوْلِهِمْ فَهو أيْضًا عَجَبٌ عِنْدِي، وأُجِيبَ عَنْهُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم عِنْدَكم، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ ﷺ: «عَجِبَ رَبُّكم مِن إلِّكم وقُنُوطِكم، وعَجِبَ رَبُّكم مِن شابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» . وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: العَجَبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِلافُ العَجَبِ مِنَ الآدَمِيِّينَ كَما قالَ: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقالَ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] والمَكْرُ والخِداعُ والسُّخْرِيَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ العِبادِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القانُونَ في هَذا البابِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ مَحْمُولَةٌ عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ لا عَلى بِداياتِ الأعْراضِ.