Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 37:8-10
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ والمِيمِ وأصْلُهُ يَتَسَمَّعُونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ لِاشْتِراكِهِما في الهَمْسِ، والتَّسَمُّعُ تَطَلُّبُ السَّماعِ، يُقالُ: تَسَمَّعَ سَمِعَ أوْ لَمْ يَسْمَعْ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِ السِّينِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ التَّشْدِيدَ في يَسَّمَّعُونَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَسَمَّعْتُ إلى فُلانٍ، ويَقُولُونَ: سَمِعْتُ فُلانًا، ولا يَكادُونَ يَقُولُونَ: سَمِعْتُ إلى فُلانٍ، وقِيلَ: في تَقْوِيَةِ هَذِهِ القِراءَةِ إذا نُفِيَ التَّسَمُّعُ، فَقَدْ نُفِيَ سَمْعُهُ.
وحُجَّةُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الشَّياطِينَ يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى ثُمَّ يُمْنَعُونَ فَلا يَسْمَعُونَ، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يُجِيبُوا فَيَقُولُونَ: التَّنْصِيصُ عَلى كَوْنِهِمْ مَعْزُولِينَ عَنِ السَّمْعِ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِمْ مَعْزُولِينَ أيْضًا عَنِ التَّسَمُّعِ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ هو أقْوى في رَدْعِ الشَّياطِينِ ومَنعِهِمْ مِنِ اسْتِماعِ أخْبارِ السَّماءِ، فَإنَّ الَّذِي مُنِعَ مِنَ الِاسْتِماعِ فَبِأنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنَ السَّمْعِ أوْلى.