cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 37:1-3

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

الثّالِثُ: لَعَلَّ المَلائِكَةَ أيْضًا يَزْجُرُونَ الشَّياطِينَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِبَنِي آدَمَ بِالشَّرِّ والإيذاءِ، وأقُولُ: قَدْ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَقْبَلُ الأثَرَ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أشْرَفُ المَوْجُوداتِ، ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ وهم عالَمُ الأجْسامِ وهو أخَسُّ المَوْجُوداتِ، ومَوْجُودٌ يُؤَثِّرُ في شَيْءٍ ويَتَأثَّرُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ وهو عالَمُ الأرْواحِ، وذَلِكَ لِأنَّها تَقْبَلُ الأثَرَ عَنْ عالَمِ كِبْرِياءِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّها تُؤَثِّرُ في عالَمِ الأجْسامِ، واعْلَمْ أنَّ الجِهَةَ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْبَلُ الأثَرَ مِن عالَمِ كِبْرِياءِ اللَّهِ غَيْرُ الجِهَةِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَسْتَوْلِي عَلى عالَمِ الأجْسامِ وتَقْدِرُ عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى الأشْرَفِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْوى عَلى التَّأْثِيرِ في عالَمِ الأجْسامِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارَةٌ إلى وُقُوفِها صَفًّا صَفًّا في مَقامِ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ بِالخُشُوعِ والخُضُوعِ، وهي الجِهَةُ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَقْبَلُ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدْسِيَّةُ أصْنافَ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والكَمالاتِ الصَّمَدِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ الجَواهِرِ المَلَكِيَّةِ في تَنْوِيرِ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ البَشَرِيَّةِ وإخْراجِها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، وذَلِكَ لِما ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ النُّطْقِيَّةَ البَشَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ وكالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، وأنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْواحِ المَلائِكَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ وكالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ، وأنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إنَّما تَنْتَقِلُ مِنَ القَوْلِ إلى الفِعْلِ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والكَمالاتِ الرُّوحانِيَّةِ بِتَأْثِيراتِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ الكَمالَ المُطْلَقَ لِلشَّيْءِ إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَ تامًّا وفَوْقَ التّامِّ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ تامًّا أنْ تَحْصُلَ جَمِيعُ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ بِهِ حُصُولًا بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ فَوْقَ التّامِّ أنْ تَفِيضَ مِنهُ أصْنافُ الكَمالاتِ والسَّعاداتِ عَلى غَيْرِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كَوْنَهُ كامِلًا في ذاتِهِ مُقَدَّمٌ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ في ذَواتِها وقْتَ وُقُوفِها في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ وصُفُوفِ الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالزّاجِراتِ

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.