Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 36:81-82
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والفَلاسِفَةُ وافَقُوهم في هَذا الإشْكالِ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالُوا: إرادَتُهُ مُتَّصِلَةٌ بِأمْرِهِ وأمْرُهُ مُتَّصِلٌ بِالكَوْنِ، ولَكِنَّ إرادَتَهُ قَدِيمَةٌ، فالكَوْنُ قَدِيمٌ، فَمُكَوِّناتُ اللَّهِ قَدِيمَةٌ، وجَوابُ الضّالِّينَ مِنَ التَّمَسُّكِ بِاللَّفْظِ هو أنَّ المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا أرادَ﴾ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِالشَّيْءِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أرادَ﴾ فِعْلٌ ماضٍ، وإذا دَخَلَتْ كَلِمَةُ إذا عَلى الماضِي تَجْعَلُهُ في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ، ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ مَفْهُومَ قَوْلِنا أرادَ ويُرِيدُ وعَلِمَ ويَعْلَمُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَهُ الحُدُوثُ، وإنَّما نَقُولُ لِلَّهِ تَعالى صِفَةٌ قَدِيمَةٌ هي الإرادَةُ، وتِلْكَ الصِّفَةُ إذا تَعَلَّقَتْ بِشَيْءٍ نَقُولُ: أرادَ ويُرِيدُ، وقَبْلَ التَّعَلُّقِ لا نَقُولُ أرادَ، وإنَّما نَقُولُ: لَهُ إرادَةٌ وهو بِها مُرِيدٌ، ولْنَضْرِبْ مِثالًا لِلْأفْهامِ الضَّعِيفَةِ لِيَزُولَ ما يَقَعُ في الأوْهامِ السَّخِيفَةِ، فَنَقُولُ: قَوْلُنا: فُلانٌ خَيّاطٌ، يُرادُ بِهِ أنَّ لَهُ صَنْعَةَ الخِياطَةِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ مِنّا أنْ نَقُولَ: إنَّهُ خاطَ ثَوْبَ زَيْدٍ أوْ يَخِيطُ ثَوْبَ زَيْدٍ، لا يَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ صِحَّةِ قَوْلِنا: إنَّهُ خَيّاطٌ بِمَعْنى أنَّ لَهُ صَنْعَةً بِها يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ الصَّنْعَةَ في ثَوْبِ زَيْدٍ في زَمانٍ ماضٍ خاطَ ثَوْبَهُ، وبِها يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ تِلْكَ الصَّنْعَةَ في ثَوْبِ زَيْدٍ في زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى فافْهَمْ أنَّ الإرادَةَ أمْرٌ ثابِتٌ إنْ تَعَلَّقَتْ بِوُجُودِ شَيْءٍ نَقُولُ: أرادَ وُجُودَهُ أيْ: يُرِيدُ وُجُودَهُ، وإذا عَلِمْتَ هَذا فَهو في المَعْنى مِن