Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 36:75-76
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اللَّطِيفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] مَعْناهُ الكافِرُونَ المُنْكِرُونَ التّارِكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ المُتَّخِذُونَ مِن دُونِهِ آلِهَةً، أوْ لَمْ يَرَوْا خَلْقَ الأنْعامِ لَهم وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ كَلامٌ أعَمُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ لِأنَّهُ مَعَ جِنْسِ الإنْسانِ وهو مَعَ جَمْعٍ مِنهم، فَنَقُولُ سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ دَلِيلَ الأنْفُسِ أشْمَلُ وأكْمَلُ وأتَمُّ وألْزَمُ، فَإنَّ الإنْسانَ قَدْ يَغْفُلُ عَنِ الأنْعامِ وخَلْقِها عِنْدَ غَيْبَتِها ولَكِنْ [ لا يَغْفُلُ ] هو مَعَ نَفْسِهِ مَتى ما يَكُونُ وأيْنَما يَكُونُ. فَقالَ: إنْ غابَ عَنِ الحَيَوانِ وخَلْقِهِ فَهو لا يَغِيبُ عَنْ نَفْسِهِ، فَما بالُهُ ! أوْلَمَ يَرَ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ وهو أتَمُّ نِعْمَةٍ، فَإنَّ سائِرَ النِّعَمِ بَعْدَ وُجُودِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى وجْهِ الدَّلالَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ خَلْقَهُ لَوْ كانَ مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةِ الصُّوَرِ كانَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: العَظْمُ خُلِقَ مِن جِنْسٍ صُلْبٍ واللَّحْمُ مِن جِنْسٍ رَخْوٍ، وكَذَلِكَ الحالُ في كُلِّ عُضْوٍ، ولَمّا كانَ خَلْقُهُ عَنْ نُطْفَةٍ مُتَشابِهَةِ الأجْزاءِ وهو مُخْتَلِفُ الصُّوَرِ دَلَّ عَلى الِاخْتِيارِ والقُدْرَةِ إلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ [الرعد: ٤] .