Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 36:69-70
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أوْ بَيْتَيْنِ لِأنّا نَقُولُ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِعْرٍ؛ لِعَدَمِ قَصْدِهِ إلى الوَزْنِ والقافِيَةِ، وعَلى هَذا لَوْ صَدَرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَلامٌ كَثِيرٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى لا يَكُونُ شِعْرًا، لِعَدَمِ قَصْدِهِ اللَّفْظَ قَصْدًا أوَّلِيًّا، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّكَ إذا تَتَبَّعْتَ كَلامَ النّاسِ في الأسْواقِ تَجِدُ فِيهِ ما يَكُونُ مَوْزُونًا واقِعًا في بَحْرٍ مِن بُحُورِ الشِّعْرِ ولا يُسَمّى المُتَكَلِّمُ بِهِ شاعِرًا ولا الكَلامُ شِعْرًا لِفَقْدِ القَصْدِ إلى اللَّفْظِ أوَّلًا، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ يُحَقِّقُ ذَلِكَ المَعْنى أيْ هو ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِلْقَصْدِ إلى المَعْنى، والشِّعْرُ لَفْظٌ مُزَخْرَفٌ بِالقافِيَةِ والوَزْنِ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ:
وهِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» يَعْنِي: قَدْ يَقْصِدُ الشّاعِرُ اللَّفْظَ فَيُوافِقُهُ مَعْنًى حِكَمِيٌّ كَما أنَّ الحَكِيمَ قَدْ يَقْصِدُ مَعْنًى فَيُوافِقُهُ وزْنٌ شِعْرِيٌّ، لَكِنَّ الحَكِيمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الوَزْنِ لا يَصِيرُ شاعِرًا، والشّاعِرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ حَكِيمًا، حَيْثُ سَمّى النَّبِيُّ ﷺ شِعْرَهَ حِكْمَةً، ونَفى اللَّهُ كَوْنَ النَّبِيِّ شاعِرًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ قالَبُ المَعْنى والمَعْنى قَلْبُ اللَّفْظِ ورُوحُهُ فَإذا وُجِدَ القَلْبُ لا نَظَرَ إلى القالَبِ، فَيَكُونُ الحَكِيمُ المَوْزُونُ كَلامُهُ حَكِيمًا، ولا يُخْرِجُهُ عَنِ الحِكْمَةِ وزْنُ كَلامِهِ، والشّاعِرُ المُوعِظُ كَلامُهُ حَكِيمٌ.