Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 36:66-67
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو بَيْنَ الجَبْرِ والقَدَرِ وهو الطَّرِيقَةُ الوُسْطى، واللَّهُ تَعالى في كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ ما يَتَمَسَّكُ بِهِ المُجَبِّرَةُ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَتَمَسَّكُ بِهِ القَدَرِيَّةُ وبِالعَكْسِ، وهَهُنا كَذَلِكَ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وقالَ: ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ وكانَ ذَلِكَ مُتَمَسَّكَ القَدَرِيَّةِ حَيْثُ أسْنَدَ اللَّهُ الكُفْرَ والكَسْبَ إلَيْهِمْ وأحالَ الخَيْرَ والشَّرَّ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَهم وكَسْبَهم بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُفْرَ يُعْمِي البَصِيرَةَ ويُضْعِفُ القُوَّةَ العَقْلِيَّةَ، وعَمى البَصِيرَةِ بِإرادَةِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، إذا شاءَ أعْمى البَصائِرَ، كَما أنَّهُ لَوْ شاءَ لَطَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمُ المُبْصِرَةِ، وسَلَبَ القُوَّةَ العَقْلِيَّةَ بِاخْتِيارِهِ ومَشِيئَتِهِ، كَما أنَّ سَلْبَ القُوَّةِ الجِسْمِيَّةِ بِمَشِيئَتِهِ، حَتّى لَوْ شاءَ لَمَسَخَ المُكَلَّفَ عَلى مَكانَتِهِ وأقامَهُ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، ولا يَقْدِرُ عَلى المُضِيِّ والرُّجُوعِ، فَإعْماءُ البَصائِرِ عِنْدَهُ كَإعْماءِ الأبْصارِ، وسَلْبُ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ كَسَلْبِ القُوَّةِ الجِسْمِيَّةِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ لَوْ شاءَ وأرادَ إعْماءَ بَصائِرِهِمْ فَضَلُّوا، وأنَّهُ لَوْ شاءَ طَمْسَ أعْيُنِهِمْ لَما اهْتَدَوْا إلى طَرِيقَتِهِمُ الظّاهِرَةِ، وشاءَ واخْتارَ سَلْبَ قُوَّةِ عُقُولِهِمْ فَزَلُّوا، وأنَّهُ لَوْ شاءَ سَلْبَ قُوَّةِ أجْسامِهِمْ ومَسَخَهم لَما قَدَرُوا عَلى تَقَدُّمٍ ولا تَأخُّرٍ. وفي الآيَتَيْنِ أبْحاثٌ لَفْظِيَّةٌ: