Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 36:60
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وتَرْكُ اسْتِعانَةِ الإنْسانِ بِاللَّهِ، فَيَسْتَعِينُ بِشَهْوَتِهِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ لِمَصالِحِ بَقائِهِ وبَقاءِ نَوْعِهِ ويَجْعَلُها سَبَبًا لِفَسادِ حالِهِ ويَدْعُوهُ بِها إلى مَسالِكِ المَهالِكِ، وكَذَلِكَ يَسْتَعِينُ بِغَضَبِهِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ لِدَفْعِ المَفاسِدِ عَنْهُ ويَجْعَلُهُ سَبَبًا لِوَبالِهِ وفَسادِ أحْوالِهِ، ومِيلُ الإنْسانِ إلى المَعاصِي كَمَيْلِ المَرِيضِ إلى المَضارِّ، وذَلِكَ حَيْثُ يَنْحَرِفُ المِزاجُ عَنِ الِاعْتِدالِ، فَتَرى المَحْمُومَ يُرِيدُ الماءَ البارِدَ وهو يَزِيدُ في مَرَضِهِ، ومَن بِهِ فَسادُ المَعِدَةِ فَلا يَهْضِمُ القَلِيلَ مِنَ الغِذاءِ، يَمِيلُ إلى الأكْلِ الكَثِيرِ ولا يَشْبَعُ بِشَيْءٍ وهو يَزِيدُ في مَعِدَتِهِ فَسادًا، وصَحِيحُ المِزاجِ لا يَشْتَهِي إلّا ما يَنْفَعُهُ فالدُّنْيا كالهَواءِ الوَبِيءِ لا يَسْتَغْنِي الإنْسانُ فِيهِ عَنِ اسْتِنْشاقِ الهَواءِ وهو المُفْسِدُ لِمِزاجِهِ ولا طَرِيقَ لَهُ غَيْرُ إصْلاحِ الهَواءِ بِالرَّوائِحِ الطَّيِّبَةِ والأشْياءِ الزَّكِيَّةِ والرَّشِّ بِالخَلِّ والماوَرْدِ مِن جُمْلَةِ المُصْلِحاتِ، فَكَذَلِكَ الإنْسانُ في الدُّنْيا لا يَسْتَغْنِي عَنْ أُمُورِها وهي المُعِيناتُ لِلشَّيْطانِ، وطَرِيقُهُ تَرْكُ الهَوى وتَقْلِيلُ التَّأْمِيلِ وتَحْرِيفُ الهَوى بِالذِّكْرِ الطَّيِّبِ والزُّهْدِ، فَإذا صَحَّ مِزاجُ عَقْلِهِ لا يَمِيلُ إلّا إلى الحَقِّ ولا يَبْقى عَلَيْهِ في التَّكالِيفِ كُلْفَةٌ ويَحْصُلُ لَهُ مَعَ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ أُلْفَةٌ، وهُنالِكَ يَعْتَرِفُ الشَّيْطانُ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ سُلْطانٌ.