Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 36:30-32
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى سَبَبَ الحَسْرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهَذا سَبَبُ النَّدامَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن جاءَهُ مَلِكٌ مِن بادِيَةٍ، وأعْرَفَهُ نَفْسَهُ، وطَلَبَ مِنهُ أمْرًا هَيِّنًا فَكَذَّبَهُ ولَمْ يُجِبْهُ إلى ما دَعاهُ، ثُمَّ وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ فَعَرَّفَهُ أنَّهُ ذَلِكَ، يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ النَّدامَةِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ هم مُلُوكٌ وأعْظَمُ مِنهم بِإعْزازِ اللَّهِ إيّاهم وجَعَلَهم نُوّابَهُ، كَما قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣١) وجاءُوا وعَرَّفُوا أنْفُسَهم، ولَمْ يَكُنْ لَهم عَظَمَةٌ ظاهِرَةٌ في الحِسِّ، ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ عِنْدَ ظُهُورِ البَأْسِ ظَهَرَتْ عَظَمَتُهم عِنْدَ اللَّهِ لَهم، وكانَ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ أمْرًا هَيِّنًا نَفْعُهُ عائِدٌ إلَيْهِمْ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، وما كانُوا يَسْألُونَ عَلَيْهِ أجْرًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ النَّدامَةُ الشَّدِيدَةُ، وكَيْفَ لا وهم يَقْتَنِعُونَ بِالإعْراضِ حَتّى آذَوْا واسْتَهْزَءُوا واسْتَخَفُّوا واسْتَهانُوا، وقَوْلُهُ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ﴾ الضَّمِيرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى قَوْمِ حَبِيبٍ، أيْ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ الثَّلاثَةِ ﴿إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ عَلى قَوْلِنا: الحَسْرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الكُفّارِ المُصِرِّينَ.