Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 36:17-19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنَّ الكافِرَ مُسِيءٌ، فَإذا تَمَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وأُوضِحَ لَهُ السَّبِيلُ ويُصِرُّ يَكُونُ مُسْرِفًا، والمُسْرِفُ هو المُجاوِزُ الحَدَّ بِحَيْثُ يَبْلُغُ الضِّدَّ، وهم كانُوا كَذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ، أمّا في التَّبَرُّكِ والتَّشاؤُمِ فَقَدْ عُلِمَ، وكَذَلِكَ في الإيلامِ والإكْرامِ، وأمّا في الكُفْرِ فَلِأنَّ الواجِبَ اتِّباعُ الدَّلِيلِ، فَإنْ لَمْ يُوجَدْ بِهِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يُجْزَمَ بِنَقِيضِهِ وهم جَزَمُوا بِالكُفْرِ بَعْدَ البُرْهانِ عَلى الإيمانِ، فَإنْ قِيلَ: بَلْ لِلْإضْرابِ فَما الأمْرُ المُضْرَبُ عَنْهُ ؟ نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ وارِدٌ عَلى تَكْذِيبِهِمْ ونِسْبَتِهِمُ الرُّسُلَ إلى الكَذِبِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: أنَحْنُ كاذِبُونَ وإنْ جِئْنا بِالبُرْهانِ، لا ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: أنَحْنُ مَشْؤُومُونَ، وإنْ جِئْنا بِبَيانِ صِحَّةِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ، لا ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: أنَحْنُ مُسْتَحِقُّونَ لِلرَّجْمِ والإيلامِ، وإنْ بَيَّنّا صِحَّةَ ما أتَيْنا بِهِ، لا ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ وأمّا الحِكايَةُ فَمَشْهُورَةٌ، وهي أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَ رَجُلَيْنِ إلى أنْطاكِيَّةَ فَدَعَيا إلى التَّوْحِيدِ وأظْهَرا المُعْجِزَةَ مِن إبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى فَحَبَسَهُما المَلِكُ، فَأرْسَلَ بَعْدَهُما شَمْعُونَ فَأتى المَلِكَ ولَمْ يَدَعِ الرِّسالَةَ، وقَرَّبَ نَفْسَهُ إلى المَلِكِ بِحُسْنِ التَّدْبِيرِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: إنِّي أسْمَعُ أنَّ في الحَبْسِ رَجُلَيْنِ يَدَّعِيانِ أمْرًا بَدِيعًا، أفَلا يَحْضُرانِ حَتّى نَسْمَعَ كَلامَهُما ؟ قالَ المَلِكُ: بَلى، فَأُحْضِرا وذَكَرا مَقالَتَهُما الحَقَّةَ، فَقالَ لَهُما شَمْعُونُ: فَهَلْ لَكَما بَيِّنَةٌ ؟ قالا: نَعَمْ، فَأبْرَآ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأحْيَيا المَوْتى، فَقالَ شَمْعُونُ: أيُّها المَلِكُ، إنْ شِئْتَ أنْ تَغْلِبَهم، فَقُلْ لِلْآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها تَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، قالَ المَلِكُ: أنْتَ لا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّها لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَعُ ولا تَقْدِرُ ولا تَعْلَمُ، فَقالَ شَمْعُونُ: فَإذَنْ ظَهَرَ الحَقُّ مِن جانِبِهِمْ، فَآمَنَ المَلِكُ وقَوْمٌ، وكَفَرَ آخَرُونَ، وكانَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُكَذِّبِينَ.