Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 36:14-16
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما﴾
صفحة ٤٦
فِي بَعْثَةِ الِاثْنَيْنِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ وهي أنَّهُما كانا مَبْعُوثَيْنِ مِن جِهَةِ عِيسى بِإذْنِ اللَّهِ، فَكانَ عَلَيْهِما إنْهاءُ الأمْرِ إلى عِيسى والإتْيانُ بِما أمَرَ اللَّهُ، واللَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَحْتاجُ إلى شاهِدٍ يَشْهَدُ عِنْدَهُ، وأمّا عِيسى فَهو بَشَرٌ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِإرْسالِ اثْنَيْنِ لِيَكُونَ قَوْلُهُما عَلى قَوْمِهِما عِنْدَ عِيسى حُجَّةً تامَّةً.
وقَوْلُهُ: ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ أيْ قَوَّيْنا وقُرِئَ: فَعَزَزْنا بِثالِثٍ مُخَفَّفًا، مِن عَزَّ إذا غَلَبَ، فَكَأنَّهُ قالَ: فَغَلَبْنا نَحْنُ وقَهَرْنا بِثالِثٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأشْهَرُ، وتُرِكَ المَفْعُولُ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَعَزَّزْناهُما لِمَعْنًى لَطِيفٍ، وهو أنَّ المَقْصُودَ مِن بَعْثِهِما نُصْرَةُ الحَقِّ لا نُصْرَتُهُما، والكُلُّ مُقَوُّونَ لِلدِّينِ المَتِينِ بِالبُرْهانِ المُبِينِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَ رُسُلَهُ إلى الأطْرافِ واكْتَفى بِواحِدٍ، وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَ اثْنَيْنِ، نَقُولُ: النَّبِيُّ بَعَثَ لِتَقْرِيرِ الفُرُوعِ وهو دُونَ الأصْلِ، فاكْتَفى بِواحِدٍ، فَإنَّ خَبَرَ الواحِدِ في الفُرُوعِ مَقْبُولٌ، وأمّا هُما فَبُعِثا بِالأُصُولِ، وجَعَلَ لَهُما مُعْجِزَةً تُفِيدُ اليَقِينَ، وإلّا لَما كَفى إرْسالُ اثْنَيْنِ أيْضًا، ولا ثَلاثَةٍ.