Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 36:11
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ والتَّرْتِيبُ ظاهِرٌ، وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ مِن قَبْلُ: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي الإنْذارَ العامَّ عَلى ما بَيَّنا، وقالَ هُنا: ﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾ وهو يَقْضِي التَّخْصِيصَ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ (السَّجْدَةِ: ٣) أيْ كَيْفَما كانَ سَواءٌ كانَ مُفِيدًا أوْ لَمْ يَكُنْ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾ أيِ الإنْذارُ المُفِيدُ لا يَكُونُ إلّا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَتَّبِعُ الذِّكْرَ ويَخْشى.
الثّانِي: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: إنَّ الإرْسالَ والإنْزالَ، وذَكَرَ أنَّ الإنْذارَ وعَدَمَهُ سِيّانِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ العِنادِ قالَ لِنَبِيِّهِ: لَيْسَ إنْذارُكَ غَيْرَ مُفِيدٍ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، فَأنْذِرْ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ، وإنَّما تُنْذِرُ بِذَلِكَ الإنْذارِ العامِّ مَن يَتَّبِعُ الذِّكْرَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ بِإنْذارِكَ تَهْدِي ولا تَدْرِي مَن تَهْدِي، فَأنْذِرِ الأسْوَدَ والأحْمَرَ ومَقْصُودُكَ مَن يَتَّبِعُ إنْذارَكَ ويَنْتَفِعُ بِذِكْراكَ.
الثّالِثُ: هو أنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أيْ أوَّلًا فَإذا أنْذَرْتَ وبالَغْتَ وبَلَّغْتَ واسْتَهْزَأ البَعْضُ وتَوَلّى واسْتَكْبَرَ ووَلّى، فَأعْرِضْ بَعْدَ ذَلِكَ فَإنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ.