Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 36:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ مَأْمُورًا بِإنْذارِ اليَهُودِ؛ لِأنَّ آباءَهم أُنْذِرُوا، نَقُولُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، أمّا عَلى قَوْلِنا: ما لِلْإثْباتِ لا لِلنَّفْيِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى قَوْلِنا هي نافِيَةٌ فَكَذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٣] وقُلْنا: إنَّ المُرادَ أنَّ آباءَهم قَدْ أُنْذِرُوا بَعْدَ ضَلالِهِمْ وبَعْدَ إرْسالِ مَن تَقَدَّمَ، فَإنَّ اللَّهَ إذا أرْسَلَ رَسُولًا، فَما دامَ في القَوْمِ مَن يُبَيِّنُ دِينَ ذَلِكَ النَّبِيِّ ويَأْمُرُ بِهِ لا يُرْسَلُ الرَّسُولُ في أكْثَرِ الأمْرِ، فَإذا لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَن يُبَيِّنُ، ويَضِلُّ الكُلُّ، ويَتَباعَدُ العَهْدُ، ويَفْشُو الكُفْرُ يَبْعَثُ رَسُولًا آخَرَ مُقَرِّرًا لِدِينِ مَن كانَ قَبْلَهُ، أوْ واضِعًا لِشَرْعٍ آخَرَ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ أيْ ما أُنْذِرُوا بَعْدَما ضَلُّوا عَنْ طَرِيقِ الرَّسُولِ المُتَقَدِّمِ، واليَهُودُ والنَّصارى دَخَلُوا فِيهِ؛ لِأنَّهم لَمْ تُنْذَرْ آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ بَعْدَما ضَلُّوا، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ مَبْعُوثًا بِالحَقِّ إلى الخَلْقِ كافَّةً.