cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 36:1-2

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

والفِعْلُ والحَرْفُ جاءَ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ كَإلى وعَلى في الحَرْفِ وإلى وعَلى في الِاسْمِ، وألا يَأْلُو وعَلا يَعْلُو في الفِعْلِ، والِاسْمُ والفِعْلُ جاءَ عَلى أرْبَعَةٍ، والِاسْمُ خاصَّةً جاءَ عَلى ثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ وخَمْسَةٍ كَفُجْلٍ وسُجْلٍ وجِرْدَحْلٍ، فَما جاءَ في القُرْآنِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَرْكِيبَ العَرَبِيَّةِ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ، فَماذا يَقُولُ هَذا القائِلُ في تَخْصِيصِ بَعْضِ السُّوَرِ بِالحَرْفِ الواحِدِ، والبَعْضِ بِأكْثَرَ فَلا يَعْلَمُ تَمامَ السِّرِّ إلّا اللَّهُ ومَن أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ: اعْلَمْ أنَّ العِبادَةَ مِنها قَلْبِيَّةٌ، ومِنها لِسانِيَّةٌ، ومِنها جارِحِيَّةٌ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنها قِسْمانِ: قِسْمٌ عُقِلَ مَعْناهُ وحَقِيقَتُهُ وقِسْمٌ لَمْ يُعْلَمْ، أمّا القَلْبِيَّةُ مَعَ أنَّها أبْعَدُ عَنِ الشَّكِّ والجَهْلِ، فَفِيها ما لَمْ يُعْلَمْ دَلِيلُهُ عَقْلًا، وإنَّما وجَبَ الإيمانُ بِهِ والِاعْتِقادُ سَمْعًا كالصِّراطِ الَّذِي هو أرَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وأحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، ويَمُرُّ عَلَيْهِ المُؤْمِنُ والمُوقِنُ كالبَرْقِ الخاطِفِ، والمِيزانِ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الأعْمالُ الَّتِي لا ثِقَلَ لَها في نَظَرِ النّاظِرِ وكَيْفِيّاتِ الجَنَّةِ والنّارِ، فَإنَّ هَذِهِ الأشْياءَ وُجُودُها لَمْ يُعْلَمْ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ، وإنَّما المَعْلُومُ بِالعَقْلِ إمْكانُها، ووُقُوعُها مَعْلُومٌ مَقْطُوعٌ بِهِ بِالسَّمْعِ، ومِنها ما عُلِمَ كالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وقُدْرَةِ اللَّهِ وصِدْقِ الرَّسُولِ، وكَذَلِكَ في العِباداتِ الجارِحِيَّةِ ما عُلِمَ مَعْناهُ وما لَمْ يُعْلَمْ كَمَقادِيرِ النُّصُبِ وعَدَدِ الرَّكَعاتِ، وقَدْ ذَكَرْنا الحِكْمَةَ فِيهِ وهي أنَّ العَبْدَ إذا أتى بِما أُمِرَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَعْلَمَ ما فِيهِ مِنَ الفائِدَةِ لا يَكُونُ إلّا آتِيًا بِمَحْضِ العِبادَةِ بِخِلافِ ما لَوْ عَلِمَ الفائِدَةَ، فَرُبَّما يَأْتِي بِهِ لِلْفائِدَةِ، وإنْ لَمْ يُؤْمِن كَما لَوْ قالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: انْقُلْ هَذِهِ الحِجارَةَ مِن هَهُنا ولَمْ يُعْلِمْهُ بِما في النَّقْلِ فَنَقَلَها، ولَوْ قالَ: انْقُلْها فَإنَّ تَحْتَها كَنْزًا هو لَكَ يَنْقُلُها وإنْ لَمْ يُؤْمِن إذا عَلِمَ هَذا فَكَذَلِكَ في العِباداتِ اللِّسانِيَّةِ الذِّكْرِيَّةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مِنها ما لا يُفْهَمُ مَعْناهُ حَتّى إذا تَكَلَّمَ بِهِ العَبْدُ عُلِمَ مِنهُ أنَّهُ لا يَقْصِدُ غَيْرَ الِانْقِيادِ لِأمْرِ المَعْبُودِ الآمِرِ النّاهِي، فَإذا قالَ: ﴿حم﴾، ﴿يس﴾، ﴿الم﴾، ﴿طس﴾ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لِمَعْنًى يَفْهَمُهُ أوْ يُفَهَّمُهُ، فَهو يَتَلَفَّظُ بِهِ إقامَةً لِما أُمِرَ بِهِ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.