Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 35:37-38
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ أيْ لا يُخَفَّفُ، وإنِ اصْطَرَخُوا واضْطَرَبُوا لا يُخَفِّفُ اللَّهُ مِن عِنْدِهِ إنْعامًا إلى أنْ يَطْلُبُوهُ، بَلْ يَطْلُبُونَ ولا يَجِدُونَ، والِاصْطِراخُ مِنَ الصُّراخِ، والصُّراخُ صَوْتُ المُعَذَّبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ أيْ صُراخُهم بِهَذا، أيْ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ لِأنَّ صُراخَهم كَلامٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إيلامَهم تَعْذِيبٌ لا تَأْدِيبٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤَدَّبَ إذا قالَ لِمُؤَدِّبِهِ: لا أرْجِعُ إلى ما فَعَلْتُ وبِئْسَما
صفحة ٢٧
فَعَلْتُ يَتْرُكُهُ، وأمّا المُعَذَّبُ فَلا، وتَرْتِيبُهُ حَسَنٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يُخَفِّفُ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، ولا يَعْفُو عَنْهم، بَيَّنَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهم وعْدًا؛ وهَذا لِأنَّ المَحْبُوسَ يَصْبِرُ لَعَلَّهُ يَخْرُجُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، فَإذا طالَ لُبْثُهُ تَطَلَّبَ الإخْراجَ مِن غَيْرِ قَطِيعَةٍ عَلى نَفْسِهِ، فَإنْ لَمْ يَفْدِهِ يَقْطَعُ عَلى نَفْسِهِ قَطِيعَةً ويَقُولُ: أخْرِجْنِي أفْعَلْ كَذا وكَذا.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَيَّنَ أنَّ مَن يَكُونُ في الدُّنْيا ضالًّا، فَهو في الآخِرَةِ ضالٌّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ (الإسْراءِ: ٧٢) ثُمَّ إنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ العَوْدَ إلى الدُّنْيا بَعِيدٌ مُحالٌ بِحُكْمِ الإخْبارِ.