Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 35:19-21
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الأشْرَفَ في مَثَلَيْنِ وهو الظِّلُّ والحَرُورُ، وأخَّرَهُ في مَثَلَيْنِ وهو البَصَرُ والنُّورُ، وفي مِثْلِ هَذا يَقُولُ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ لِتَواخِي أواخِرِ الآيِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَواخِيَ الأواخِرِ راجِعٌ إلى السَّجْعِ، ومُعْجِزَةُ القُرْآنِ في المَعْنى لا في مُجَرَّدِ اللَّفْظِ، فالشّاعِرُ يُقَدِّمُ ويُؤَخِّرُ لِلسَّجْعِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ حامِلًا لَهُ عَلى تَغْيِيرِ المَعْنى، وأمّا القُرْآنُ فَحِكْمَةٌ بالِغَةٌ؛ والمَعْنى فِيهِ صَحِيحٌ واللَّفْظُ فَصِيحٌ، فَلا يُقَدِّمُ ولا يُؤَخِّرُ اللَّفْظَ بِلا مَعْنًى، فَنَقُولُ: الكُفّارُ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا في ضَلالَةٍ، فَكانُوا كالعُمْيِ وطَرِيقُهم كالظُّلْمَةِ، ثُمَّ لَمّا جاءَ النَّبِيُّ ﷺ وبَيَّنَ الحَقَّ، واهْتَدى بِهِ مِنهم قَوْمٌ فَصارُوا بَصِيرِينَ وطَرِيقَتُهم كالنُّورِ، فَقالَ: وما يَسْتَوِي مَن كانَ قَبْلَ البَعْثِ عَلى الكُفْرِ، ومَنِ اهْتَدى بَعْدَهُ إلى الإيمانِ، فَلَمّا كانَ الكُفْرُ قَبْلَ الإيمانِ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والكافِرُ قَبْلَ المُؤْمِنِ قَدَّمَ المُقَدَّمَ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ المَآلَ والمَرْجِعَ قَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِالرَّحْمَةِ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالغَضَبِ لِقَوْلِهِ في الإلَهِيّاتِ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، ثُمَّ إنَّ الكافِرَ المُصِرَّ بَعْدَ البَعْثَةِ صارَ أضَلَّ مِنَ الأعْمى وشابَهَ الأمْواتَ في عَدَمِ إدْراكِ الحَقِّ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، فَقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ والأمْواتُ الَّذِينَ تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ البَيِّناتُ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وهَؤُلاءِ كانُوا بَعْدَ إيمانِ مَن آمَنَ، فَأخَّرَهم عَنِ المُؤْمِنِينَ لِوُجُودِ حَياةِ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَماتِ الكافِرِينَ المُعانِدِينَ، وقَدَّمَ الأعْمى عَلى البَصِيرِ لِوُجُودِ الكُفّارِ الضّالِّينَ قَبْلَ البَعْثَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ المُهْتَدِينَ بَعْدَها.