Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 35:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: هو أنَّهُ أنَّثَ الكِنايَةَ في الأوَّلِ فَقالَ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ وجازَ مِن حَيْثُ العَرَبِيَّةُ أنْ يُقالَ لَهُ ويَكُونُ عائِدًا إلى ما، ولَكِنْ قالَ تَعالى: (لَها) لِيُعْلَمَ أنَّ المَفْتُوحَ أبْوابُ الرَّحْمَةِ ولا مُمْسِكَ لِرَحْمَتِهِ فَهي وصْلَةٌ إلى مَن رَحِمَتْهُ، وقالَ عِنْدَ الإمْساكِ ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ بِالتَّذْكِيرِ ولَمْ يَقُلْ لَهُما فَما صَرَّحَ بِأنَّهُ لا مُرْسِلَ لِلرَّحْمَةِ، بَلْ ذَكَرَهُ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الَّذِي لا يُرْسِلُ هو غَيْرُ الرَّحْمَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يُمْسِكْ﴾ عامٌّ مِن غَيْرِ بَيانٍ وتَخْصِيصٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ فَإنَّهُ مُخَصَّصٌ مُبَيَّنٌ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ اللَّهِ، فاسْتَثْنى هَهُنا وقالَ: لا مُرْسِلَ لَهُ إلّا اللَّهُ فَنَزَلَ لَهُ مُرْسَلًا. وعِنْدَ الإمْساكِ قالَ: لا مُمْسِكَ لَها، ولَمْ يَقُلْ: غَيْرُ اللَّهِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ إذا جاءَتْ لا تَرْتَفِعُ فَإنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ لا يُعَذِّبُهُ بَعْدَها هو ولا غَيْرُهُ، ومَن يُعَذِّبُهُ اللَّهُ فَقَدْ يَرْحَمُهُ اللَّهُ بَعْدَ العَذابِ كالفُسّاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ.