Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 34:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ولَمْ يُقَلِّلْهُ بِمِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ فَلَمْ يَقُلْ لَهم نَصِيبٌ مِن رِزْقٍ، ولا رِزْقٌ مِن جِنْسٍ كَرِيمٍ، وقالَ هَهُنا: ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ بِلَفْظَةٍ صالِحَةٍ لِلتَّبْعِيضِ وكُلُّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى سَعَةِ الرَّحْمَةِ وقِلَّةِ الغَضَبِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها والرِّجْزُ قِيلَ: أسْوَأُ العَذابِ، وعَلى هَذا ”مِن“ لِبَيانِ الجِنْسِ كَقَوْلِ القائِلِ: خاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وفي الألِيمِ قِراءَتانِ الجَرُّ والرَّفْعُ، فالرَّفْعُ عَلى أنَّ الألِيمَ وصْفُ العَذابِ كَأنَّهُ قالَ: عَذابٌ ألِيمٌ مِن أسْوَأِ العَذابِ والجَرُّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلرِّجْزِ والرَّفْعُ أقْرَبُ نَظَرًا إلى المَعْنى، والجَرُّ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ تَنْحَصِرُ الأقْسامُ في المُؤْمِنِ الصّالِحِ عَمَلُهُ والمُكَذِّبِ السّاعِي المُعَجِّزِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ مُؤْمِنًا لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ أوْ كافِرٌ مُتَوَقِّفٌ، فَنَقُولُ إذا عُلِمَ حالُ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ يُعْلَمُ أنَّ المُؤْمِنَ قَرِيبُ الدَّرَجَةِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ أمْرُهُ، والكافِرُ قَرِيبُ الدَّرَجَةِ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ ولِلْمُؤْمِنِ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في الكَرامَةِ مِثْلَ رِزْقِ الَّذِي عَمِلَ صالِحًا ولِلْكافِرِ غَيْرِ المُعانِدِ عَذابٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أسْوَأِ الأنْواعِ الَّتِي لِلْمُكَذِّبِينَ المُعانِدِينَ.