Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 33:72
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ٢٠٤
لِلْأمانَةِ مِنَ المُؤْتَمَنِ فَبَقِيَ في ضَمانِهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ إذا أصابَ الأمانَةَ في يَدِهِ شَيْءٌ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ كانَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنهُ، والأمِينُ لا يَضْمَنُ ما فاتَ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ، والكافِرُ إذا أصابَ الأمانَةَ في يَدِهِ شَيْءٌ ضَمِنَ وإنْ كانَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، لِأنَّهُ يَضْمَنُ ما فاتَ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِتَقْصِيرٍ.
اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: خَصَّ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشَدُّ الأُمُورِ وأحْمَلُها لِلْأثْقالِ، وأمّا السَّماواتُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ [النبأ: ١٢] والأرْضُ والجِبالُ لا تَخْفى شِدَّتُها وصَلابَتُها، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَمّا كانَتْ لَها شِدَّةٌ وصَلابَةٌ عَرَضَ اللَّهُ تَعالى الأمانَةَ عَلَيْها واكْتُفِيَ بِشِدَّتِهِنَّ وقُوَّتِهِنَّ فامْتَنَعْنَ؛ لِأنَّهُنَّ وإنْ كُنَّ أقْوِياءَ إلّا أنَّ أمانَةَ اللَّهِ تَعالى فَوْقَ قُوَّتِهِنَّ، وحَمَلَها الإنْسانُ مَعَ ضَعْفِهِ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] ولَكِنْ وعَدَهُ بِالإعانَةِ عَلى حِفْظِ الأمانَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] فَإنْ قِيلَ فالَّذِي يُعِينُهُ اللَّهُ تَعالى كَيْفَ يُعَذَّبُ فَلِمَ يُعَذِّبُ الكافِرَ ؟ نَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ”«أنا أُعِينُ مَن يَسْتَعِينُ بِي ويَتَوَكَّلُ عَلَيَّ» “ والكافِرُ لَمْ يَرْجِعْ إلى اللَّهِ تَعالى فَتَرَكَهُ مَعَ نَفْسِهِ فَيَبْقى في عُهْدَةِ الأمانَةِ.