Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 33:37-39
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَلِمْتَ هَذا فَفي قَوْلِهِ تَعالى أوَّلًا: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ وقَوْلِهِ ثانِيًا: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ قالَ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ تَزْوِيجَنا زَيْنَبَ إيّاكَ كانَ مَقْصُودًا مَتْبُوعًا مَقْضِيًّا مُراعًى، ولَمّا قالَ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا﴾ إشارَةً إلى قِصَّةِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ افْتَتَنَ بِامْرَأةٍ أُورِيا قالَ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أيْ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا تَبَعِيًّا، فَلَوْ قالَ قائِلٌ: هَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِالتَّوْلِيدِ والفَلاسِفَةِ بِوُجُوبِ كَوْنِ الأشْياءِ عَلى وُجُوهٍ مِثْلُ كَوْنِ النّارِ تَحْرِقُ حَيْثُ قالُوا اللَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يَخْلُقَ ما يُنْضِجُ الأشْياءَ وهو لا يَكُونُ إلّا مُحْرِقًا بِالطَّبْعِ، فَخَلَقَ النّارَ لِلنَّفْعِ فَوَقَعَ اتِّفاقُ أسْبابٍ أوْجَبَتِ احْتِراقَ دارِ زَيْدٍ أوْ دارِ عَمْرٍو. فَنَقُولُ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَقُولَ بِأنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُخْتارٍ في أفْعالِهِ أوْ يَقَعُ شَيْءٌ لا بِاخْتِيارِهِ، ولَكِنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: أجْرى اللَّهُ عادَتَهُ بِكَذا أيْ ولَهُ أنْ يَخْلُقَ النّارَ بِحَيْثُ عِنْدَ حاجَةِ إنْضاجِ اللَّحْمِ تَنْضَجُ، وعِنْدَ مِساسِ ثَوْبِ العَجُوزِ لا تُحْرَقُ، ألا تَرى أنَّها لَمْ تَحْرِقْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قُوَّتِها وكَثْرَتِها لَكِنْ خَلَقَها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ بِمَحْضِ إرادَتِهِ أوْ لِحِكْمَةٍ خَفِيَّةٍ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ.