Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 33:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: “ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَن تَعُولُ» “ إذا عَلِمْتَ هَذا فالإنْسانُ إذا كانَ مَعَهُ ما يُغَطِّي بِهِ إحْدى الرِّجْلَيْنِ أوْ يَدْفَعُ بِهِ حاجَةً عَنْ أحَدِ شِقَّيْ بَدَنِهِ، فَلَوْ أخَذَ الغِطاءَ مِن أحَدِهِما وغَطّى بِهِ الآخَرَ لا يَكُونُ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ. فَضْلًا عَنْ أنْ يَقُولَ بِئْسَما فَعَلْتَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ أحَدُ العُضْوَيْنِ أشْرَفَ مِنَ الآخَرِ مِثْلَ ما إذا وقى الإنْسانُ عَيْنَهُ بِيَدِهِ، ويَدْفَعُ البَرْدَ عَنْ رَأْسِهِ الَّذِي هو مَعْدِنُ حَواسِّهِ ويَتْرُكُ رِجْلَهُ تَبْرُدُ فَإنَّهُ الواجِبُ عَقْلًا، فَمَن يَعْكِسُ الأمْرَ يُقالُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ. وإذا تَبَيَّنَ هَذا فالنَّبِيُّ ﷺ أوْلى بِالمُؤْمِنِ مِن نَفْسِهِ، فَلَوْ دَفَعَ المُؤْمِنُ حاجَةَ نَفْسِهِ دُونَ حاجَةِ نَبِيِّهِ يَكُونُ مَثَلُهُ مَثَلَ مَن يَدْهُنُ شَعْرَهُ ويَكْشِفُ رَأْسَهُ في بَرْدٍ مُفْرِطٍ قاصِدًا بِهِ تَرْبِيَةَ شَعْرِهِ ولا يَعْلَمُ أنَّهُ يُؤْذِي رَأْسَهُ الَّذِي لا نَباتَ لِشَعْرِهِ إلّا مِنهُ، فَكَذَلِكَ دَفْعُ حاجَةِ النَّفْسِ فَراغُها إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ولا عِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ العِبادَةِ إلّا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَوْ دَفَعَ الإنْسانُ حاجَتَهُ لا لِلْعِبادَةِ فَهو لَيْسَ دَفْعًا لِلْحاجَةِ؛ لِأنَّ دَفْعَ الحاجَةِ ما هو فَوْقَ تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ وهَذا لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ حاجَةً، وإذا كانَ لِلْعِبادَةِ فَتَرْكُ النَّبِيِّ الَّذِي مِنهُ يَتَعَلَّمُ كَيْفِيَّةَ العِبادَةِ في الحاجَةِ ودَفْعِ حاجَةِ النَّفْسِ مِثْلُ تَرْبِيَةِ الشَّعْرِ مَعَ إهْمالِ أمْرِ الرَّأْسِ، فَتَبَيَّنَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذا أرادَ شَيْئًا حَرُمَ عَلى الأُمَّةِ التَّعَرُّضُ إلَيْهِ في الحِكْمَةِ الواضِحَةِ.