Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 33:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عُلِمَ هَذا فالنَّبِيُّ ﷺ بِحُكْمِ ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كانَ قَدْ وقَعَ لَهُ خَوْفٌ ما يَسِيرٌ مِن جِهَةِ ألْسِنَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ ومِن أيْدِيهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فَأمَرَهُ اللَّهُ بِتَقْوى أُخْرى فَوْقَ ما يَتَّقِيهِ بِحَيْثُ تُنْسِيهِ الخَلْقَ ولا يُرِيدُ إلّا الحَقَّ وزادَ اللَّهُ بِهِ دَرَجَتَهُ فَكانَ ذَلِكَ بِشارَةً لَهُ في ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ أنْتَ ما بَقِيتَ في الدَّرَجَةِ الَّتِي يُقْنَعُ مِنكَ بِتَقْوى مِثْلَ تَقْوى الآحادِ أوْ تَقْوى الأوْتادِ بَلْ لا يُقْنَعُ مِنكَ إلّا بِتَقْوى تُنْسِيكَ نَفْسَكَ.
ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ يَخافُ فَوْتَ مالٍ إنْ هَجَمَ عَلَيْهِ غاشِمٌ يَقْصِدُ قَتْلَهُ يَذْهَلُ عَنِ المالِ ويَهْرُبُ ويَتْرُكُهُ، فَكَذَلِكَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِمِثْلِ هَذِهِ التَّقْوى، ومَعَ هَذِهِ التَّقْوى لا يَبْقى الخَوْفُ مِن أحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ، وخَرَجَ هَذا مَخْرَجَ قَوْلِ القائِلِ لِمَن يَخافُ زَيْدًا أوْ عَمْرًا: خَفْ عَمْرًا فَإنَّ زَيْدًا لا يَقْدِرُ عَلَيْكَ إذا كانَ عَمْرٌو مَعَكَ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا بِالخَوْفِ مِن عَمْرٍو فَإنَّهُ يَخافُ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ نَهْيًا عَنِ الخَوْفِ مِن زَيْدٍ في ضِمْنِ الأمْرِ بِزِيادَةِ الخَوْفِ مِن عَمْرٍو حَتّى يُنْسِيَهُ زَيْدًا.
* *
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ يُقَرِّرُ قَوْلَنا أيِ اتَّقِ اللَّهَ تَقْوى تَمْنَعُكَ مِن طاعَتِهِمْ.