Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 32:22-24
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ يَعْنِي لَنُذِيقَنَّهم ولا يَرْجِعُونَ فَيَكُونُونَ قَدْ ذُكِّرُوا بِآياتِ اللَّهِ مِنَ النِّعَمِ أوَّلًا والنِّقَمِ ثانِيًا ولَمْ يُؤْمِنُوا، فَلا أظْلِمُ مِنهم أحَدًا؛ لِأنَّ مَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ ظالِمٌ، فَإنَّ اللَّهَ لِذَوِي البَصائِرِ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ المُسْتَنِيرُ الباطِنُ إلى شاهِدٍ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، بَلْ هو شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] أيْ دَلِيلُكَ اللَّهُ لا تَحْتاجُ، بِتَأْثِيرِ الباطِنِ إلى دَلِيلٍ عَلى اللَّهِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: رَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَمَن لَمْ يَكْفِهِ اللَّهُ فَسائِرُ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَ فِيها نَفْعٌ أوْ ضُرٌّ كافٍ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] فَإنْ لَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ فَبِسَبْغِهِ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً، فالأوَّلُ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ اللَّهِ هو عَدْلٌ، والثّانِي الَّذِي يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ فَهو مُتَوَسِّطٌ، والثّالِثُ الَّذِي لَمْ تَكِفْهِ الآفاقُ ظالِمٌ، والرّابِعُ الَّذِي لَمْ تُقْنِعْهُ النِّعَمُ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ الظّالِمِ، وقَدْ يَكُونُ أظْلَمَ مِنهُ آخَرُ، وهو الَّذِي إذا أُذِيقَ العَذابَ لا يَرْجِعُ عَنْ ضَلالَتِهِ، فَإنَّ الأكْثَرَ كانَ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهم إذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعُوا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ، فَهَذا لَمّا عُذِّبَ ولَمْ يَرْجِعْ فَلا أظْلَمَ مِنهُ أصْلًا فَقالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾