Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 32:18-20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقَوْلُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: (لَهُمْ) بِلامِ التَّمْلِيكِ زِيادَةُ إكْرامٍ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ: اسْكُنْ هَذِهِ الدّارَ يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى العارِيَةِ، ولَهُ اسْتِرْدادُهُ، وإذا قالَ: هَذِهِ الدّارُ لَكَ، يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى نِسْبَةِ المِلْكِيَّةِ إلَيْهِ ولَيْسَ لَهُ اسْتِرْدادُهُ بِحُكْمِ قَوْلِهِ. وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ( لَهم جَنّاتُ) ألا تَرى أنَّهُ تَعالى لَمّا أسْكَنَ آدَمَ الجَنَّةَ وكانَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُخْرِجُهُ مِنها قالَ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ولَمْ يَقُلْ: لَكُما الجَنَّةُ. وفي الآخِرَةِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُؤْمِنِينَ خُرُوجٌ عَنْها قالَ: (لْكُمُ الجَنَّةُ) و(لَهم جَنّاتٍ) وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنًى حُكْمِيٍّ، وهو أنَّ المُؤْلِمَ إذا تَمَكَّنَ والألَمَ إذا امْتَدَّ لَمْ يَبْقَ بِهِ شُعُورٌ تامٌّ؛ ولِهَذا قالَ الأطِبّاءُ: إنَّ حَرارَةَ حُمّى الدَّقِّ بِالنِّسْبَةِ إلى حَرارَةِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةِ نِسْبَةُ النّارِ إلى الماءِ المُسَخَّنِ، ثُمَّ إنَّ المَدْقُوقَ لا يُحِسُّ مِنَ الحَرارَةِ بِما يُحِسُّ بِهِ مَن بِهِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةُ لِتَمَكُّنِ الدَّقِّ وقُرْبِ العَهْدِ بِظُهُورِ حَرارَةِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةِ، وكَذَلِكَ الإنْسانُ إذا وضَعَ يَدَهُ في ماءٍ بارِدٍ يَتَألَّمُ مِنَ البَرْدِ، فَإذا صَبَرَ زَمانًا طَوِيلًا تَثْلُجُ يَدُهُ ويَبْطُلُ عَنْهُ ذَلِكَ الألَمُ الشَّدِيدُ مَعَ فَسادِ مِزاجِهِ.