Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 32:13
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَلِيلُ، ثُمَّ إنَّ تَرْكَ خَلْقِ هَذا القِسْمِ إنْ كانَ لِما فِيهِ مِنَ الشَّرِّ، فَتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ لا يُناسِبُ الحِكْمَةَ، ألا تَرى أنَّ التّاجِرَ إذا طُلِبَ مِنهُ دِرْهَمٌ بِدِينارٍ، فَلَوِ امْتَنَعَ وقالَ: في هَذا شَرٌّ وهو زَوالُ الدِّرْهَمِ عَنْ مِلْكِي، فَيُقالُ لَهُ: لَكِنَّ في مُقابَلَتِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ وهو حُصُولُ الدِّينارِ في مِلْكِكَ، وكَذَلِكَ الإنْسانُ لَوْ تَرَكَ الحَرَكَةَ اليَسِيرَةَ لِما فِيها مِنَ المَشَقَّةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ تَحْصُلُ لَهُ راحَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ يُنْسَبُ إلى مُخالَفَةِ الحِكْمَةِ، فَإذا نَظَرَ إلى الحِكْمَةِ كانَ وُقُوعُ الخَيْرِ الكَثِيرِ المَشُوبِ بِالشَّرِّ القَلِيلِ مِنَ اللُّطْفِ، فَخَلَقَ العالَمَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الشَّرُّ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] فَقالَ اللَّهُ تَعالى في جَوابِهِمْ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أيْ أعْلَمُ أنَّ هَذا القِسْمَ يُناسِبُ الحِكْمَةَ؛ لِأنَّ الخَيْرَ فِيهِ كَثِيرٌ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم خَيْرَهُ بِالتَّعْلِيمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] يَعْنِي أيُّها المَلائِكَةُ خَلْقُ الشَّرِّ المَحْضِ والشَّرِّ الغالِبِ والشَّرِّ المُساوِي لا يُناسِبُ الحِكْمَةَ. وأمّا الخَيْرُ الكَثِيرُ المَشُوبُ بِالشَّرِّ القَلِيلِ مُناسِبٌ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] إشارَةٌ إلى الشَّرِّ، وأجابَهُمُ اللَّهُ بِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ .