Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 32:13
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عُلِمَ هَذا فَخَلَقَ اللَّهُ عالَمًا فِيهِ الخَيْرُ المَحْضُ وهو عالَمُ المَلائِكَةِ وهو العالَمُ العُلْوِيُّ، وخَلَقَ عالَمًا فِيهِ خَيْرٌ وشَرٌّ وهو عالَمُنا، وهو العالَمُ السُّفْلِيُّ ولَمْ يَخْلُقْ عالَمًا فِيهِ شَرٌّ مَحْضٌ، ثُمَّ إنَّ العالَمَ السُّفْلِيَّ الَّذِي هو عالَمُنا وإنْ كانَ الخَيْرُ والشَّرُّ مَوْجُودَيْنِ فِيهِ لَكِنَّهُ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ الَّذِي خَيْرُهُ غالِبٌ، فَإنَّكَ إذا قابَلْتَ المَنافِعَ بِالمَضارِّ والنّافِعَ بِالضّارِّ، تَجِدُ المَنافِعَ أكْثَرَ، وإذا قابَلْتَ الشِّرِّيرَ بِالخَيِّرِ تَجِدُ الخَيِّرَ أكْثَرَ، وكَيْفَ لا والمُؤْمِنُ يُقابِلُهُ الكافِرُ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِحَيْثُ لا يَكُونُ فِيهِ شَرٌّ أصْلًا مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى آخِرِهِ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأوْلِياءُ، والكافِرُ لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِحَيْثُ لا يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ أصْلًا، غايَةُ ما في البابِ أنَّ الكُفْرَ يُحْبِطُ خَيْرَهُ ولا يَنْفَعُهُ، إنَّما يَسْتَحِيلُ نَظَرًا إلى العادَةِ أنْ يُوجَدَ كافِرٌ لا يَسْقِي العَطْشانَ شَرْبَةَ ماءٍ ولا يُطْعِمُ الجائِعَ لُقْمَةَ خُبْزٍ ولا يَذْكُرُ رَبَّهُ في عُمُرِهِ، وكَيْفَ لا وهو في زَمَنِ صِباهُ كانَ مَخْلُوقًا عَلى الفِطْرَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْخَيْراتِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قالُوا: لَوْلا الشَّرُّ في هَذا العالَمِ لَكانَتْ مَخْلُوقاتُ اللَّهِ تَعالى مُنْحَصِرَةً في الخَيْرِ المَحْضِ ولا يَكُونُ قَدْ خَلَقَ القِسْمَ الَّذِي فِيهِ الخَيْرُ الغالِبُ والشَّرُّ
صفحة ١٥٦