Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 32:13
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا﴾ وبَيانُهُ هو أنَّهُ تَعالى قالَ: إنِّي لَوْ أرْجَعْتُكم إلى الإيمانِ لَهَدَيْتُكم في الدُّنْيا، ولَمّا لَمْ أهْدِكم تَبَيَّنَ أنِّي ما أرَدْتُ وما شِئْتُ إيمانَكم فَلا أرُدُّكم، وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا﴾ صَرِيحٌ في أنَّ مَذْهَبَنا صَحِيحٌ حَيْثُ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ ما أرادَ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ وما شاءَ مِنهُ إلّا الكُفْرَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ أيْ وقَعَ القَوْلُ وهو قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ هَذا مِن حَيْثُ النَّقْلِ، ولَهُ وجْهٌ في العَقْلِ؛ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا خالِيًا عَنْ حِكْمَةٍ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والخِلافُ في أنَّهُ هَلْ قَصَدَ الفِعْلَ لِلْحِكْمَةِ أوْ فَعَلَ الفِعْلَ ولَزِمَتْهُ الحِكْمَةُ لا بِحَيْثُ تَحْمِلُهُ تِلْكَ الحِكْمَةُ عَلى الفِعْلِ ؟ وإذا عُلِمَ أنْ فِعْلَهُ لا يَخْلُو عَنِ الحِكْمَةِ فَقالَ الحُكَماءُ: حِكْمَةُ أفْعالِهِ بِأمْرِها لا تُدْرَكُ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ لَكِنْ تُدْرِكُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، فَكُلُّ ضَرْبٍ يَكُونُ في العالَمِ وفَسادٍ فَحِكْمَتُهُ تَخْرُجُ مِن تَقْسِيمٍ عَقْلِيٍّ، وهو أنَّ الفِعْلَ إمّا أنْ يَكُونَ خَيْرًا مَحْضًا أوْ شَرًّا مَحْضًا أوْ خَيْرًا مَشُوبًا بِشَرٍّ، وهَذا القِسْمُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: قِسْمٌ خَيْرُهُ غالِبٌ وقِسْمٌ شَرُّهُ غالِبٌ، وقِسْمٌ خَيْرُهُ وشَرُّهُ مِثْلانِ.