Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 32:6-9
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ في السَّمْعِ المَصْدَرَ وفي البَصَرِ والفُؤادِ الِاسْمَ، ولِهَذا جَمَعَ الأبْصارَ والأفْئِدَةَ ولَمْ يَجْمَعِ السَّمْعَ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يُجْمَعُ، وذَلِكَ لِحِكْمَةٍ؛ وهو أنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها فِعْلٌ واحِدٌ، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَضْبِطُ في زَمانٍ واحِدٍ كَلامَيْنِ، والأُذُنُ مَحَلُّهُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ مِن أيِّ جانِبٍ كانَ يَصِلُ إلَيْهِ، ولا قُدْرَةَ لَها عَلى تَخْصِيصِ القُوَّةِ بِإدْراكِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا الإبْصارُ فَمَحَلُّهُ العَيْنُ ولَها فِيهِ شِبْهُ اخْتِيارٍ فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبٍ مَرْئِيٍّ دُونَ آخَرَ، وكَذَلِكَ الفُؤادُ مَحَلُّ الإدْراكِ ولَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ يَلْتَفِتُ إلى ما يُرِيدُ دُونَ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَحَلِّ في السَّمْعِ تَأْثِيرٌ، والقُوَّةُ مُسْتَبِدَّةٌ، فَذَكَرَ القُوَّةَ في الأُذُنِ وفي العَيْنِ، والفُؤادُ لِلْمَحَلِّ نَوْعُ اخْتِيارٍ، فَذَكَرَ المَحَلَّ لِأنَّ الفِعْلَ يُسْنَدُ إلى المُخْتارِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: سَمِعَ زَيْدٌ ورَأى عَمْرٌو. ولا تَقُولُ: سَمِعَ أُذُنُ زَيْدٍ ولا رَأى عَيْنُ عَمْرٍو إلّا نادِرًا، لِما بَيَّنّا أنَّ المُخْتارَ هو الأصْلُ وغَيْرُهُ آلَتُهُ، فالسَّمْعُ أصْلٌ دُونَ مَحَلِّهِ لِعَدَمِ الِاخْتِيارِ لَهُ، والعَيْنُ كالأصْلِ، وقُوَّةُ الإبْصارِ آلَتُها، والفُؤادُ كَذَلِكَ، وقُوَّةُ الفَهْمِ آلَتُهُ، فَذَكَرَ في السَّمْعِ المَصْدَرَ الَّذِي هو القُوَّةُ، وفي الأبْصارِ والأفْئِدَةِ الِاسْمَ الَّذِي هو مَحَلُّ القُوَّةِ؛ ولِأنَّ السَّمْعَ لَهُ قُوَّةٌ واحِدَةٌ، ولَها فِعْلٌ