Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 32:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَقَوْلُ القائِلِ: اللَّهُ اسْتَقَرَّ عَلى العَرْشِ لا يَنْبَغِي أنْ يُفْهَمَ كَوْنُهُ في مَكانٍ ما لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ مِمّا يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ في مَكانٍ أوْ لا يَجُوزُ، فَإذَنْ فَهْمُ كَوْنِهِ في مَكانٍ مِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ مَشْرُوطٌ بِجَوازِ أنْ يَكُونَ في مَكانٍ، فَجَوازُ كَوْنِهِ في مَكانٍ إنِ اسْتُفِيدَ مِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ يَلْزَمُ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ وهو مُحالٌ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى العَرْشِ بِمَعْنى كَوْنِ
صفحة ١٤٩
العَرْشِ مَكانًا لَهُ وُجُوهٌ مِنَ القُرْآنِ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ﴾ [الحج: ٦٤] وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ، وكُلُّ ما هو في مَكانٍ فَهو في بَقائِهِ مُحْتاجٌ إلى مَكانٍ؛ لِأنَّ بَدِيهَةَ العَقْلِ حاكِمَةٌ بِأنَّ الحَيِّزَ إنْ لَمْ يَكُنْ لا يَكُونُ المُتَحَيِّزُ باقِيًا، فالمُتَحَيِّزُ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفاءِ الحَيِّزِ، وكُلُّ ما يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفاءِ غَيْرِهِ فَهو مُحْتاجٌ إلَيْهِ في اسْتِمْرارِهِ، فالقَوْلُ بِاسْتِقْرارِهِ يُوجِبُ احْتِياجَهُ في اسْتِمْرارِهِ وهو غَنِيٌّ بِالنَّصِّ.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فالعَرْشُ يَهْلِكُ، وكَذَلِكَ كَلُّ مَكانٍ فَلا يَبْقى وهو يَبْقى، فَإذَنْ لا يَكُونُ في ذَلِكَ الوَقْتِ في مَكانٍ، فَجازَ عَلَيْهِ أنْ لا يَكُونَ في مَكانٍ، وما جازَ لَهُ مِنَ الصِّفاتِ وجَبَ لَهُ فَيَجِبُ أنْ لا يَكُونَ في مَكانٍ.