Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 32:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحالِ لا يَكُونُ بِدْعَةً، غايَةُ ما يَكُونُ أنَّهُ اعْتِقادٌ غَيْرُ مُطابِقٍ، ومِمّا قِيلَ فِيهِ: إنَّ المُرادَ مِنهُ اسْتَوى عَلى مُلْكِهِ، والعَرْشُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ المُلْكِ، يُقالُ: المَلِكُ قَعَدَ عَلى سَرِيرِ المَمْلَكَةِ بِالبَلْدَةِ الفُلانِيَّةِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلْها، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] إشارَةٌ إلى البُخْلِ، مَعَ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِأنَّ عَلى يَدِ اللَّهِ غُلًّا عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، ولَوْ كانَ مُرادُ اللَّهِ ذَلِكَ لَكانَ كَذِبًا -جَلَّ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ- ثُمَّ لِهَذا فَضْلُ تَقْرِيرٍ، وهو أنَّ المُلُوكَ عَلى دَرَجاتٍ، فَمَن يَمْلِكُ مَدِينَةً صَغِيرَةً أوْ بِلادًا يَسِيرَةً ما جَرَتِ العادَةُ بِأنْ يَجْلِسَ أوَّلَ ما يَجْلِسُ عَلى سَرِيرٍ، ومَن يَكُونُ سُلْطانًا يَمْلِكُ البِلادَ الشّاسِعَةَ والدِّيارَ الواسِعَةَ، وتَكُونُ المُلُوكُ في خِدْمَتِهِ يَكُونُ لَهُ سَرِيرٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وقُدّامَهُ كُرْسِيٌّ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وزِيرُهُ، فالعَرْشُ والكُرْسِيُّ في العادَةِ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ عَظَمَةِ المَمْلَكَةِ، فَلَمّا كانَ مَلِكُ السَّماواتِ والأرْضِ في غايَةِ العَظَمَةِ، عَبَّرَ بِما يُنْبِئُ في العُرْفِ عَنِ العَظَمَةِ، ومِمّا يُنَبِّهُكَ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا﴾ [الإنسان: ٢]، ﴿إنّا زَيَّنّا﴾ [الصافات: ٦]، ﴿نَحْنُ أقْرَبُ﴾ [ق: ١٦]، ﴿نَحْنُ نَزَّلْنا﴾ [الحجر: ٩]، أيَظُنُّ أوْ يَشُكُّ مُسْلِمٌ في أنَّ المُرادَ ظاهِرُهُ مِنَ الشَّرِيكِ ؟ وهَلْ يَجِدُ لَهُ مَحْمَلًا، غَيْرَ أنَّ العَظِيمَ في العُرْفِ لا يَكُونُ واحِدًا وإنَّما يَكُونُ مَعَهُ غَيْرُهُ ؟ فَكَذَلِكَ المَلِكُ العَظِيمُ في العُرْفِ لا يَكُونُ إلّا ذا سَرِيرٍ يَسْتَوِي عَلَيْهِ، فاسْتَعْمَلَ ذَلِكَ مُرِيدًا لِلْعَظَمَةِ.