Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 31:32
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في العَنْكَبُوتِ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ فَنَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ هَهُنا أمْرًا عَظِيمًا وهو المَوْجُ الَّذِي كالجِبالِ بَقِيَ أثَرُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ، فَخَرَجَ مِنهم مُقْتَصِدٌ، أيْ في الكُفْرِ وهو الَّذِي انْزَجَرَ بَعْضَ الِانْزِجارِ، أوْ مُقْتَصِدٌ في الإخْلاصِ فَبَقِيَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنهُ ولَمْ يَبْقَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإخْلاصِ، وهُناكَ لَمْ يَذْكُرْ مَعَ رُكُوبِ البَحْرِ مُعايَنَةً مِثْلَ ذَلِكَ الأمْرِ، فَذَكَرَ إشْراكَهم حَيْثُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ أثَرٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ يَعْنِي يَعْتَرِفُ بِها الصَّبّارُ الشَّكُورُ، ويَجْحَدُها الخَتّارُ الكَفُورُ، والصَّبّارُ في مُوازَنَةِ الخَتّارِ لَفْظًا ومَعْنًى، والكَفُورُ في مُوازَنَةِ الشَّكُورِ، أمّا لَفْظًا فَظاهِرٌ، وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّ الخَتّارَ هو الغَدّارُ الكَثِيرُ الغَدْرِ أوِ الشَّدِيدُ الغَدْرِ، والغَدْرُ لا يَكُونُ إلّا مِن قِلَّةِ الصَّبْرِ؛ لِأنَّ الصَّبُورَ إنْ لَمْ يَكُنْ يَعْهَدُ مَعَ أحَدٍ لا يُعْهَدُ مِنهُ الإضْرارُ، فَإنَّهُ يَصْبِرُ ويُفَوِّضُ الأمْرَ إلى اللَّهِ، وأمّا الغَدّارُ فَيَعْهَدُ ولا يَصْبِرُ عَلى العَهْدِ فَيَنْقُضُهُ، وأمّا أنَّ الكَفُورَ في مُقابَلَةِ الشَّكُورِ مَعْنًى فَظاهِرٌ.