Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 31:21-22
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
لِأنَّ التَّوَجُّهَ إلى الشَّيْءِ قَبْلَ الوُصُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، ولا يُنْبِئُ عَنِ الغايَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى المَسافَةِ وقَطْعِها لِلْوُصُولِ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: في البَقَرَةِ قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] فَقالَ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] ثُمَّ بَيَّنَ فَسادَ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ أنْتُمْ مَعَ أنَّكم تَتْرُكُونَ اللَّهَ لِلدُّنْيا وتُوَلُّونَ عَنْهُ لِلْباطِلِ، وتَشْتَرُونَ بِآياتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا تَدْخُلُونَ [ النّارَ ] ومَن كانَ بِكُلِّيَّتِهِ لِلَّهِ لا يَدْخُلُها، هَذا كَلامٌ باطِلٌ، فَأوْرَدَ عَلَيْهِمْ مَن أسْلَمَ لِلَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ النَّقْضَ بِالصُّورَةِ الَّتِي هي ألْزَمُ أوْلى، فَأوْرَدَ عَلَيْهِمُ المُخْلِصَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أمْرٌ إلّا اللَّهَ، وقالَ: أنْتُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وهَذا لا يَدْخُلُها، ثُمَّ بَيَّنَ كَذِبَهم، وقالَ: “ بَلى “ وبَيَّنَ أنَّ لَهُ فَوْقَ الجَنَّةِ دَرَجَةً وهي العِنْدِيَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] وأمّا هَهُنا أرادَ وعْدَ المُحْسِنِ بِالثَّوابِ والوُصُولِ إلى الدَّرَجَةِ العالِيَةِ، فَوَعَدَ مَن هو دُونَهُ لِيَدْخُلَ فِيهِ مَن هو فَوْقَهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، ويَعُمَّ الوَعْدُ، وهَذا مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ.
* * *