Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 31:19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
لَمّا قالَ: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ وعَدَمُ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِضِدِّهِ وهو الَّذِي يُخالِفُ غايَةَ الِاخْتِلافِ، وهو مَشْيُ المُتَماوِتِ الَّذِي يَرى مِن نَفْسِهِ الضَّعْفَ تَزَهُّدًا، فَقالَ: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ أيْ كُنْ وسَطًا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ المَذْمُومَيْنِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَلْ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ مُناسَبَةٌ مَعَ الأمْرِ بِالقَصْدِ في المَشْيِ ؟ فَنَقُولُ: نَعَمْ. سَواءٌ عَلِمْناها نَحْنُ أوْ لَمْ نَعْلَمْها، وفي كَلامِ اللَّهِ مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَحْصُرُهُ حَدٌّ ولا يُصِيبُهُ عَدٌّ، ولا يَعْلَمُهُ أحَدٌ، والَّذِي يَظْهَرُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: هو أنَّ الإنْسانَ لَمّا كانَ شَرِيفًا تَكُونُ مَطالِبُهُ شَرِيفَةً، فَيَكُونُ فَواتُها خَطَرًا، فَأقْدَرَ اللَّهُ
صفحة ١٣٢
الإنْسانَ عَلى تَحْصِيلِها بِالمَشْيِ، فَإنْ عَجَزَ عَنْ إدْراكِ مَقْصُودِهِ، يُنادِي مَطْلُوبَهُ فَيَقِفُ لَهُ أوْ يَأْتِيهُ مَشْيًا إلَيْهِ، فَإنْ عَجَزَ عَنْ إبْلاغِ كَلامِهِ إلَيْهِ، وبَعْضُ الحَيَواناتِ يُشارِكُ الإنْسانَ في تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ بِالصَّوْتِ، كَما أنَّ الغَنَمَ تَطْلُبُ السَّخْلَةَ، والبَقَرَةَ العِجْلَ، والنّاقَةَ الفَصِيلَ بِالثُّغاءِ والخُوارِ والرُّغاءِ، ولَكِنْ لا تَتَعَدّى إلى غَيْرِها، والإنْسانُ يُمَيِّزُ البَعْضَ عَنِ البَعْضِ، فَإذا كانَ المَشْيُ والصَّوْتُ مُفْضِيَيْنِ إلى مَقْصُودٍ واحِدٍ لَمّا أرْشَدَهُ إلى أحَدِهِما أرْشَدَهُ إلى الآخَرِ.