Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 31:1-5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] وقالَ هاهُنا ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ ولَمْ يَقُلْ يُؤْمِنُونَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ المُتَّقِيَ هو التّارِكُ لِلْكُفْرِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، والمُحْسِنُ هو الآتِي بِحَقِّ الإيمانِ، ويَلْزَمُهُ أنْ لا يَكُونَ كافِرًا، فَلَمّا كانَ المُتَّقِي دالًّا عَلى المُؤْمِنِ في الِالتِزامِ صَرَّحَ بِالإيمانِ هُناكَ تَبْيِينًا، ولَمّا كانَ المُحْسِنُ دالًّا عَلى الإيمانِ بِالتَّنْصِيصِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالإيمانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا ما في الصَّلاةِ وإقامَتِها مِرارًا، وما في الزَّكاةِ والقِيامِ بِها، وذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الأنْفالِ في أوائِلِها أنَّ الصَّلاةَ تَرْكُ التَّشَبُّهِ بِالسَّيِّدِ، فَإنَّها عِبادَةُ صُورَةٍ وحَقِيقَةٍ، واللَّهُ تَعالى تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ ولا تَجُوزُ عَلَيْهِ العِبادَةُ، وتَرْكُ التَّشَبُّهِ لازِمٌ عَلى العَبْدِ أيْضًا في أُمُورٍ، فَلا يَجْلِسُ عِنْدَ جُلُوسِهِ ولا يَتَّكِئُ عِنْدَ اتِّكائِهِ، والزَّكاةُ تَشَبَّهٌ بِالسَّيِّدِ، فَإنَّها دَفْعُ حاجَةِ الغَيْرِ، واللَّهُ دافِعُ الحاجاتِ، والتَّشَبُّهُ لازِمٌ عَلى العَبْدِ أيْضًا في أُمُورٍ، كَما أنَّ عَبْدَ العالِمِ لا يَتَلَبَّسُ بِلِباسِ الأجْنادِ، وعَبْدَ الجُنْدِيِّ لا يَتَلَبَّسُ بِلِباسِ الزُّهّادِ، وبِهِما تَتِمُّ العُبُودِيَّةُ.