Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 30:46
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ﴾ . . . . . . ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: ٤١] وقالَ هاهُنا ﴿ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ فَخاطَبَ هاهُنا تَشْرِيفًا، ولِأنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ، فالمُحْسِنُ قَرِيبٌ فَيُخاطَبُ والمُسِيءُ بَعِيدٌ فَلَمْ يُخاطِبْهم، وأيْضًا قالَ هُناكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ وقالَ هاهُنا ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ فَأضافَ ما أصابَهم إلى أنْفُسِهِمْ، وأضافَ ما أصابَ المُؤْمِنَ إلى رَحْمَتِهِ وفِيهِ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: ما ذَكَرْنا أنَّ الكَرِيمَ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ ورَحْمَتِهِ عِوَضًا، وإنْ وُجِدَ فَلا يَقُولُ أعْطَيْتُكَ لِأنَّكَ فَعَلْتَ كَذا، بَلْ يَقُولُ هَذا لَكَ مِنِّي. وأمّا ما فَعَلْتَ مِنَ الحَسَنَةِ فَجَزاؤُهُ بَعْدُ عِنْدِي.
وثانِيهِما: أنَّ ما يَكُونُ بِسَبَبِ فِعْلِ العَبْدِ قَلِيلٌ، فَلَوْ قالَ أرْسَلْتُ الرِّياحَ بِسَبَبِ فِعْلِكم لا يَكُونُ بِشارَةً عَظِيمَةً، وأمّا إذا قالَ: ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ كانَ غايَةَ البِشارَةِ، ومَعْنًى ثالِثٌ وهو أنَّهُ لَوْ قالَ بِما فَعَلْتُمْ لَكانَ ذَلِكَ مُوهِمًا لِنُقْصانِ ثَوابِهِمْ في الآخِرَةِ، وأمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَإذا قالَ بِما فَعَلْتُمْ يُنْبِئُ عَنْ نُقْصانِ عِقابِهِمْ وهو كَذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [ الرُّومِ: ٤١] وقالَ هاهُنا: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ قالُوا وإشارَةً إلى أنَّ تَوْفِيقَهم لِلشُّكْرِ مِنَ النِّعَمِ فَعَطَفَ عَلى النِّعَمِ.