Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 30:26-27
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والآخَرُ: هو ما ذَكَرْنا مِنَ الأوْلَوِيَّةِ مِن غَيْرِ لُزُومِ تَعَبٍ في الآخَرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ أهْوَنَ بِالمَعْنى الثّانِي لا يُفْهَمُ مِنهُ الأوَّلُ، وهاهُنا فائِدَةٌ ذَكَرَها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] وقالَ هاهُنا: وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ هُناكَ كَلِمَةَ عَلَيَّ وأخَّرَها هُنا، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى الَّذِي قالَ هُناكَ إنَّهُ هَيِّنٌ هو خَلْقُ الوَلَدِ مِنَ العَجُوزِ، وأنَّهُ صَعْبٌ عَلى غَيْرِهِ ولَيْسَ بِهَيِّنٍ إلّا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] يَعْنِي لا عَلى غَيْرِي، وأمّا هاهُنا المَعْنى الَّذِي ذُكِرَ أنَّهُ أهْوَنُ هو الإعادَةُ، والإعادَةُ عَلى كُلِّ مُبْدِئٍ أهْوَنُ، فَقالَ: وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ لا عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، فالتَّقْدِيمُ هُناكَ كانَ لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ وهو قَوْلُنا أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم لَهُ مَعْنًى، وعَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لَهُ مَعْنًى، أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَلَمّا قالَ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ وكانَ ذَلِكَ مَثَلًا مَضْرُوبًا لِمَن في الأرْضِ مِنَ النّاسِ، فَيُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ لَهُ المَثَلَ الأعْلى مِن أمْثِلَةِ النّاسِ وهم أهْلُ الأرْضِ ولا يُفِيدُ أنَّ لَهُ المَثَلَ الأعْلى مِن أمْثِلَةِ المَلائِكَةِ فَقالَ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعْنِي هَذا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لَكم ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ مِن هَذا المَثَلِ ومِن كُلِّ مَثَلٍ يُضْرَبُ في السَّماواتِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَمَعْناهُ أنَّ لَهُ المَثَلَ الأعْلى أيْ فِعْلَهُ وإنْ شَبَّهَهُ بِفِعْلِكم ومَثَّلَهُ بِهِ، لَكِنَّ ذاتَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَهُ المَثَلُ الأعْلى وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى أيِ الصِّفَةُ العُلْيا وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ عَلى المُمْكِناتِ، شامِلُ العِلْمِ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ، فَيَعْلَمُ الأجْزاءَ في الأمْكِنَةِ ويَقْدِرُ عَلى جَمْعِها وتَأْلِيفِها.