Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 30:20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الحُكَماءُ: إنَّ الإنْسانَ مُرَكَّبٌ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وهي التُّرابُ والماءُ والهَواءُ والنّارُ، وقالُوا: التُّرابُ فِيهِ لِثَباتِهِ، والماءُ لِاسْتِمْساكِهِ، فَإنَّ التُّرابَ يَتَفَتَّتُ بِسُرْعَةٍ، والهَواءُ لِاسْتِقْلالِهِ كالزِّقِّ المَنفُوخِ يَقُومُ بِالهَواءِ، ولَوْلاهُ لَما كانَ فِيهِ اسْتِقْلالٌ ولا انْتِصابٌ، والنّارُ لِلنُّضْجِ والِالتِئامِ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ، فَهَلْ هَذا صَحِيحٌ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ صَحِيحًا فَكَيْفَ اعْتَبَرَ الأمْرَيْنِ فَحَسْبُ ولَمْ يَقُلْ في مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّهُ خَلَقَكم مِن نارٍ ولا مِن رِيحٍ ؟ فَنَقُولُ أمّا قَوْلُهم فَلا مَفْسَدَةَ فِيهِ مِن حَيْثُ الشَّرْعِ، فَلا نُنازِعُهم فِيهِ إلّا إذا قالُوا بِأنَّهُ بِالطَّبِيعَةِ كَذَلِكَ، وأمّا إنْ قالُوا بِأنَّ اللَّهَ بِحِكْمَتِهِ خَلَقَ الإنْسانَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فَلا نُنازِعُهم فِيهِ، وأمّا الآياتُ فَنَقُولُ ما ذَكَرْتُمْ لا يُخالِفُ هَذا؛ لِأنَّ الهَواءَ جَعَلْتُمُوهُ لِلِاسْتِقْلالِ والنّارَ لِلنُّضْجِ فَهُما يَكُونانِ بَعْدَ امْتِزاجِ الماءِ بِالتُّرابِ، فالأصْلُ المَوْجُودُ أُولاهُما لا غَيْرَ فَلِذَلِكَ خَصَّهُما، ولِأنَّ المَحْسُوسَ مِنَ العَناصِرِ في الغالِبِ هو التُّرابُ والماءُ ولا سِيَّما كَوْنُهُما في الإنْسانِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ فَخَصَّ الظّاهِرَ المَحْسُوسَ بِالذِّكْرِ.