Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 30:20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا عَلى الثّانِي: فَنَقُولُ هاهُنا قالَ ما هو أصْلٌ أوَّلٌ، وفي ذَلِكَ المَوْضِعِ قالَ ما هو أصْلٌ ثانٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التُّرابَ الَّذِي صارَ غِذاءً يَصِيرُ مائِعًا وهو المَنِيُّ، ثُمَّ يَنْعَقِدُ ويَتَكَوَّنُ بِخَلْقِ اللَّهِ مِنهُ إنْسانًا، أوْ نَقُولُ: الإنْسانُ لَهُ أصْلانِ ظاهِرانِ الماءُ والتُّرابُ، فَإنَّ التُّرابَ لا يُنْبِتُ إلّا بِالماءِ، فَفي النَّباتِ الَّذِي هو أصْلُ غِذاءِ الإنْسانِ تُرابٌ وماءٌ، فَإنْ جُعِلَ التُّرابُ أصْلًا والماءُ لِجَمْعِ أجْزائِهِ المُتَفَتِّتَةِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ جُعِلَ الأصْلُ هو الماءُ والتُّرابُ لِتَثْبِيتِ أجْزائِهِ الرَّطْبَةِ مِنَ السَّيَلانِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: اللَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ فَهو يَعْلَمُ أنَّ الأصْلَ ماذا هو مِنهُما، وإنَّما الأمْرُ عِنْدَنا مُشْتَبَهٌ يَجُوزُ هَذا وذاكَ، فَإنْ كانَ الأصْلُ هو التُّرابُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿مِنَ الماءِ بَشَرًا﴾ وإنْ كانَ الماءُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ وإنْ كانا هُما أصْلَيْنِ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ خَلَقُكم مِنهُما، فَنَقُولُ: فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ كَوْنَ التُّرابِ أصْلًا والماءِ أصْلًا، والماءُ لَيْسَ لِذاتَيْهِما، وإنَّما هو بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ نَظَرًا إلى قُدْرَتِهِ كانَ لَهُ أنْ يَخْلُقَ أوَّلَ ما يَخْلُقُ الإنْسانَ ثُمَّ يُفْنِيهِ ويَحْصُلُ مِنهُ التُّرابُ ثُمَّ يُذَوِّبُهُ ويَحْصُلُ مِنهُ الماءُ، لَكِنِ الحِكْمَةُ اقْتَضَتْ أنْ يَكُونَ النّاقِصُ وسِيلَةً إلى الكامِلِ، لا الكامِلُ يَكُونُ وسِيلَةً إلى النّاقِصِ، فَخَلَقَ التُّرابَ والماءَ أوَّلًا، وجَعَلَهُما أصْلَيْنِ لِمَن هو أكْمَلُ مِنهُما بَلْ لِلَّذِي هو أكْمَلُ مِن كُلِّ كائِنٍ وهو الإنْسانُ، فَإنْ كانَ كَوْنُهُما أصْلَيْنِ لَيْسَ أمْرًا ذاتِيًّا لَهُما بَلْ بِجَعْلِ جاعِلٍ، فَتارَةً جَعَلَ الأصْلَ التُّرابَ وتارَةً الماءَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ بِإرادَتِهِ واخْتِيارِهِ، فَإنْ شاءَ جَعَلَ هَذا أصْلًا، وإنْ شاءَ جَعَلَ ذَلِكَ أصْلًا، وإنْ شاءَ جَعَلَهُما أصْلَيْنِ.