Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 30:5-8
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
لا ذُهُولَ لِلْإنْسانِ عَنْها، وهَذا التَّرْتِيبُ مُراعًى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] أيْ يَعْلَمُونَ اللَّهَ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ في سائِرِ الأحْوالِ، ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِدَلائِلِ الآفاقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وجْهُ دَلالَةِ الخَلْقِ بِالحَقِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ ظاهِرٌ، وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى الحَشْرِ فَكَيْفَ هو ؟ فَنَقُولُ: وُقُوعُ تَخْرِيبِ السَّماواتِ وعَدَمُها لا يُعْلَمُ بِالعَقْلِ إلّا إمْكانُهُ، وأمّا وُقُوعُهُ فَلا يُعْلَمُ إلّا بِالسَّمْعِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إبْقاءِ الحادِثِ أبَدًا كَما أنَّهُ يُبْقِي الجَنَّةَ والنّارَ بَعْدَ إحْداثِهِما أبَدًا، والخَلْقُ دَلِيلُ إمْكانِ العَدَمِ؛ لِأنَّ المَخْلُوقَ لَمْ يَجِبْ لَهُ القِدَمُ فَجازِ عَلَيْهِ العَدَمُ، فَإذا أخْبَرَ الصّادِقُ عَنْ أمْرٍ لَهُ إمْكانٌ، وجَبَ عَلى العاقِلِ التَّصْدِيقُ والإذْعانُ، ولِأنَّ العالَمَ لَمّا كانَ خَلَقَهُ بِالحَقِّ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةٌ أُخْرى باقِيَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَيْسَتْ إلّا لَعِبًا ولَهْوًا كَما بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] وخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهْوِ واللَّعِبِ عَبَثٌ، والعَبَثُ لَيْسَ بِحَقٍّ، وخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ فَلا بُدَّ مِن حَياةٍ بَعْدَ هَذِهِ.